صراعات الهوية ببعدٍ جماليّ في رواية "ليلى وفرانز"
في روايته الجديدة "ليلى وفرانز"، يُدرك الروائي المصري محمد علي إبراهيم جيدًا، تنويعات الجغرافيا السردية المتعددة التي يتحرك فيها (مصر / أيسلندا/ فرنسا)، يضفر المعرفي في نصه بلا افتعال، ويعاين التركيبات الاجتماعية والأنثربولوجية داخل أمكنة الرواية الصادرة في القاهرة حديثًا (دار العين).
ويظهر الكاتب من تاريخ الأماكن كثيرًا، ويخفي أكثر، ويمارس لعبة الاختزال والاختيار والتوزيع في فضاءات الرواية، بدءًا من محاولة تفكيك السرطان، حيث الخلية المتمرد (تاليًا)، ووصولًا إلى انتخاب بعض من تاريخ المكان الجنوبي (جزيرة دندرة) المعبّر عن تلك الروح المصرية ابنة التنوع الخلاق، حيث معبد دندرة الدال إلى الهوية المصرية القديمة، وحلقات التصوف فيما بعد.
التلاقح الحضاري
من بعيد ومن قريب يمكننا أن نبدأ. من صراع الهويات، والتلاقح الحضاري، ومن السرديات الجاهزة عن العلاقة بين الشرق والغرب التي يعاد تفكيكها في الرواية، من الأنا الشرقي والآخر الغربي وقد مثلت إحدى السرديات المستقرة في الرواية العربية، وتبدت في أعمال متعددة من قبيل "الحب في المنفى" و"موسم الهجرة الى الشمال" و"الحي اللاتيني" وغيرها. لكنّ الكاتب هنا يصنع ما يسمى "مقلوب الحكاية"، حيث يغاير منطقها المعتاد، ويخرجها من جاهزيتها. فلا ذكر شرقي وأنثى غربية كما السائد، بل رجل أوروبي، وفتاة شرقية.
ويوغل في منطقه الجمالي حين يجعل الرجل من أحد أطراف العالم الشمالي (أيسلندا) الأقرب لقارة أميركا الشمالية منها إلى أوروبا، وجذوره تنتمي إلى فرنسا، والفتاة الجنوبية المنتمية إلى بلدة دندرة في قنا بصعيد مصر.
تتزوج ليلى من فرانز إذن، متخطية عشرات الأسوار الشائكة، ويصبح لقاؤهما تعبيرًا جديدًا عن تلاق مغاير لما ألفناه من صور نمطية، تلك الصور الذهنية الجاهزة التي أسماها الناقد والمفكر إدوارد سعيد في كتابه المؤسس الاستشراق (شرقنة الشرق)، حيث الشرق كما يريده الغرب، ويصوره، ويعزز وجوده المتخيل في الذهنية الشرقية نفسها.
وتتواتر المقاطع السردية المعبرة عن هذه الدلالة السردية في الرواية، من قبيل ما نراه (في صفحة 71)، وما بعدها.يبدو فرانسوا مختلفًا، هو ابن الذهنية الأوروبية في النهاية، تلك الذهنية الشاكة المتسائلة باستمرار، التي ترى العالم متغيرًا باستمرار، وتبدو علاقته بأمه (أولغا) مركبة جدًا، وتشهد تحولًا دراميًا يضيف إلى علائق النص وتفاعلاته الإنسانية ثراءً جديدًا.وربما كانت ليلى بحاجة إلى تعميق المبرر السردي الذي يشكل المنطق الجمالي الجديد لعالمها الذي التحقت به "عالم فرانسوا وأولغا"، كانت المأساة تكئة سردية ينطلق منها الكاتب ويؤكد حضورها النفسي داخل شخصيته المركزية (ليلى) ابنة الشيخ محمد حسن القطب الصوفي الدندراوي.
وكانت دراستها الآثار والتعلق بآمون، وكانت أيضًا أسئلتها المتواترة عن فكرتي العدالة والرحمة، حيث وفاة الأخ الوحيد حسن في حادث إرهابي، وبعدها موت والدتها عائشة.
فالموت قد يفضي بالإنسان إلى الشك أو اليقين. واختار محمد علي إبراهيم لبطلته الطريق الشاك المتسائل، مثل فرانسوا الذي كان أكثر تهيئة لذلك - بحكم ثقافته الأوروبية، وتكوينه - وأبعد شوطًا في هذا المضمار.
ومن ثم يصبح التلاقي بينهما بوصفها مرشدة سياحية لسائح قدم إلى العمل خبيرًا في مصنع الألمنيوم، تنقل له تراث المكان الذي تعرفه جيدًا من معبد هاتور إلى معبد دندرة.
ولأنها فتاة وحيدة فهي تسترق اللحظات لتداعب أنوثتها بنفسها، فتغلق على نفسها باب حجرتها في مشهد متواتر داخل الرواية يصاغ بطرق فنية متعددة، وبدا معبرًا عن استخدام تكنيك التكرار السردي لتعزيز الدلالة داخل النص.
التقديمة الدراميّة
يدخل القارئ إلى أجواء روايته مباشرة دون مقدمات ثرثارة، وتبدو التقديمة الدرامية مدخلًا للنص، الذي يبدأ من نقطة متقدمة في السرد، حيث أشهر فرانسوا إسلامه، ليتمكن من الزواج من ليلى، ثم يحدث الارتداد الزمني في الحلقات الزمنية بعد ذلك عبر توظيف تكنيك الفلاش باك، كما نرى أحيانًا تلك الاستباقات التي تكمل الرحلة الممتدة بينهما.تحوي التقديمة الدرامية للرواية ثلاث وحدات سردية مركزية: (ليلى/ فرانسوا/ تاليا)، يليها الإطار السردي الذي يوفر كثيرًا من المساحات الكمية للسرد، ونصبح على أعتاب الحكاية/ قلب المأساة.
ثم نرى تبادلًا لأنماط الحكي ما بين توظيف ضميري الغائب، والمتكلم.
يوظف الكاتب آلية التخييل الموضوعي، حين يتعاطى مع تاليا الخلية السرطانية بوصفها شخصية مركزية داخل نصه، ويصبح خطابها أحد الخطابات الروائية التي تشكل بنية السرد حين تحكي بنفسها متحدية الجميع، وعازمة على المضي في ما تفعل: "وأنا خلية سرطانية، بلا إباء ولا إخوة، تاريخنا لم نكتبه، أنتم تكتبون عنا روايات مختلفة كالأساطير، رغم أننا لم نمنحكم تصريحًا بهذا، ربما نستطيع أن نغير من صفاتنا بعد مئات عدة قليلة من السنين، فيصبح لنا هيئة تمكننا من العيش منفردين دون حاجة لأجسادكم، ونتعلم القراءة والكتابة ونبدأ في تدوين تاريخنا". (ص 13).وتتعدد السرطانات المحيطة بالبشر، متجاوزة الخلايا السرطانية إلى إشكاليات العيش في عالم مضطرب، يكرس التمييز والتفاوتات، ويجتاح الوداعة الأرضية المأمولة، والغائبة دومًا مثل بركان لا يلبث أن يشتعل في أي لحظة.تتواتر الحوادث في الفصول الأخيرة، حيث ذروة الألم، وجحيم جبل بركان آيفيالايوكول، الذي يتواتر حضوره داخل الرواية، وقد يدفن الناس فيه أعضاءهم المبتورة، (إصبع فرانز، ثدي ليلى)، فيبدو بمثابة تهيئة للتحول الكارثي في حياة البطلين المركزيين (ليلى وفرانز)، حيث تمكن السرطان من ثدي ليلى، وجسدها، والانتصار المؤقت لتاليا/ الخلية السرطانية وفناؤها مع ليلى.تنفتح الرواية في نهايتها اللافتة على فضاء تأويلي وسيع، حيث يعود فرانز إلى دندرة، التي لم تعد تذكره بليلى فحسب؛ ولكنها صارت جزءًا من راهنه، وتبدو الجملة الأخيرة في الرواية كاشفة عن هذا التماهي بين فرانز وعالمه الجديد: "اتصلت بحاج جابر وقلت له بلهجة صارمة: - قل لتاجر الفاكهة والخضروات بأننا لا نبيع سوى الموز والبامية والكوسة فقط" (ص 246).تتعدد التقنيات السردية في الرواية، بدءًا من تعدد لغات الشخوص، وتنوع جغرافيا السرد، ومرورًا بتعدد الخطابات، وآلية السؤال، والصورة الروائية، واستخدام تكنيك التقطيع السينمائي المتوازي أحيانًا، واللعب على فضاء الصفحة الورقية، ووصولًا إلى المناجاة السردية: "اللهم اغفر لعبدك جابر، اللهم إن كان الزواج خيرًا لصفاء وليلى فاجعله حاضرًا، وإن كان شرًا فنجّهما منه، اللهم...". (ص 45).هنا رواية يدرك كاتبها كيف يبدأها، وكيف ينهيها بالشغف ذاته الذي انطلقت منه.
نبض