"بنات بالتيمور"... في لعبة التوافق الثقافي روائيًّا
على غير المعتاد، يخصّص محمد عبد الحافظ ناصف الفصل الأخير من روايته "بنات بالتيمور"، للإهداء الذي لا يتجاوز بضع كلمات.
وفوق ذلك، فإنّ الإهداء هو من المؤلف إلى إحدى شخصيات العمل الذي يتكئ على جانب من سيرته الذاتية. الشخصية أعطاها ناصف اسم "فاروق"، وهو رب أسرة تعيش في مدينة بالتيمور الأميركية، مكوّنة منه هو وزوجته وثلاث بنات وولد واحد. الأولاد ولدوا في بالتيمور، فيما الأب والأم مهاجران من مصر، وتحديداً من نطاق مدينة المحلة الكبرى التي كانت ذات سمعة عالمية طيبة في صناعة النسيج، قبل أن تصبح مدينة طاردة، تحت وطأة إهمال مركزي فتح المجال للتفكير جديًا في الهجرة والسعي الحثيث إليها، ولو عبر سبل غير مشروعة.
ودلالة اسم "فاروق" لا تخفى على المتأمل في سلوكها المتكئ دائمًا على التفريق بين "الحق" الذي تمثله القيم التي نشأ عليها في بلده الأصلي، و"الباطل" الذي يراه محيطًا به في مهجره، ويخشى منه على أولاده الذين يفرض عليهم رقابة صارمة حتى لا يندمجوا اندماجًا كاملًا في المجتمع الذي يعيشون فيه.
لكنه مع ذلك لا يتورع عن العمل وفق فكرة انتهازية مفادها أن الغاية تبرر الوسيلة. ومن هنا نجده يسعى لتزويج بناته من معلمين مبتعثين من قبل وزارة التعليم المصرية، على اعتبار أنهم حتمًا أحرص على القيم التي يؤمن بها من أولئك الذين اندمجوا وانسلخوا عن أصولهم. وانتهازيته في هذا السياق تكمن في استعداده للتغاضي عن بقاء الزوج المحتمل في بالتيمور على الرغم من أن القوانين تحتم عليه العودة إلى بلده فور انتهاء مدة البعثة.

بنات "فاروق"
"فاروق"، يقتله الرعب من احتمال أن تتورط إحدى بناته في علاقة حميمة مع شاب، على نحو ما يحدث عادة في أوساط الأميركيين عمومًا، وخصوصًا في بالتيمور المصنّفة بين أعلى المدن التي تزدهر فيها الجريمة بمختلف تجلياتها، على مستوى العالم.
وهكذا يمكن أن نفهم أن العنوان يشير إلى بنات "فاروق"، على الرغم من أن نسبتهن إلى بالتيمور لا يمكن أن يكون دقيقًا في ظل انتمائهن ثقافةً إلى مكان بعيد جدًا من تلك المدينة الواقعة على ساحل الأطلسي في شرق الولايات المتحدة الأميركية. أما شقيقهن ويدعى "رضوان" – ولهذا الاسم أيضًا دلالات دينية إسلامية - فدائمًا ما يحذره أبوه من مغبة "الاختلاط ببنات أميركا المتحررات زيادة عن اللزوم". ومع ذلك انجذب إلى فتاة تدعى "ليليت"، فعلّقت إحدى شقيقاته على ذلك بقولها: "إنه رجل ويتيح له الشرع أن يتزوج من غير المسلمات"! رتَّب فاروق لأن تتزوج "ياسمين" و"سناء" من اثنين من أعضاء أحدث بعثة لوزارة التعليم المصرية، و"إيمان" من "شامخ" وهو شاب سوري. تحمس "سامي" للاقتران بـ"ياسمين"، ومن ثم البقاء في بالتيمور.
بينما قرر "حسن" العودة إلى مصر على الرغم من الإغراءات التي حدثه عنها "فاروق" بلا مواربة، ليدفعه إلى طلب يد "سناء"، ومن ثم التنعم بالجنة الأميركية!
الخوف من الاندماج
يتوزع السرد بين "فاروق"، وأسرته في بالتيمور، و"حسن" وأسرته في المحلة الكبرى. والأخير سيتعرف على أسرة "فاروق" مصادفة، ولن ينتبه في البداية إلى أنه قد وقع عليه الاختيار ليتزوج من "سناء" التي سيتصادف كذلك أنها ستقع في هواه من النظرة الأولى كما يصور السارد الخارجي الأمر. وهو بالطبع أمر لا يتسق مع ثقافة تلك الأسرة المحافظة والتي لا تستيغ مسألة الارتباط العاطفي في موضوع الزواج القائم في تصورها على قائمة حسابات تأتي العاطفة في ذيلها أو لا تأتي. سيتمسك "حسن" بارتباطه بفتاة تنتظر عودته من بعثته ليتزوجا. وستصدم "سناء" حين لا يبدي "حسن" نحوها انجذابًا يؤشر إلى أنه وقع في الشرَك الذي نصبه لها أبوها بإحكام.
رفض "فاروق" ارتباط ابنته الكبرى بشاب ماليزي كان يريد أن يتزوجها على أن تسافر معه إلى بلده. أغلق "فاروق" على بناته، خوفًا من عادات مجتمع يراها غريبة ومختلفة ومتنوعة بتنوع مئات الأعراف والثقافات والبلاد والديانات والأيديولوجيات.
وجهان لعملة واحدة
ولا يختلف "حسن" كثيرًا عن "فاروق" في ما يخص التدين الشكلي، الذي يصل إلى حدّ التشدّد في بعض الأحيان. ومن ذلك مثلًا أنّ "حسن" رفض العمل برخصة الإفطار في نهار رمضان خلال رحلة الطيران الطويلة من مصر إلى أميركا، متعللًا بأن بالآية القرآنية "وإن تصوموا خير لكم"، خارجًا بها عن سياقها ليشعر في ذاته بأنه أفضل عند الله من أولئك المفطرين من حوله.
لكنه سرعان ما سيخفف من تشدده عقب وصوله إلى أميركا بمنطق الغاية تبرر الوسيلة، فيقول لنفسه إن عليه أن يفعل مثل ما يفعلون لكي يعيش معهم في أمان، مدة البعثة وهي ستة شهور.
وإضافة إلى عمله مدرسًا للغة الانكليزية، فإن "حسن" الحريص على تديّن معتدل، كان يكتب الشعر والقصة، وحصل على عدد من الجوائز الأدبية، قبل أن يسافر إلى أميركا. وكان يؤمن بضرورة استخدام فنون الأدب في تعليم اللغة. وكان كذلك يعتقد أن الكثير من أزمات مصر يرجع إلى أن من يتولّون الخطابة (في المساجد) يؤدون عملهم وظيفيًّا، ما يبعدهم من مشكلات الناس، فيلجأ كثير من هؤلاء إلى بعض متطرفي الرأي! ومن هنا يأتي التشابه بين شخصية حسن عبد الرحمن والكاتب محمد عبد الحافظ ناصف، فكلاهما من مدينة المحلة الكبرى، وحصل كل منهما في منتصف تسعينات القرن الماضي على دراسات عليا في "التربية المستمرة" عبر بعثة لوزارة التربية والتعليم المصرية إلى أميركا. وناصف أيضًا، عمل بالتدريس، وهو بحسب سيرته الذاتية، حاصل على العديد من الجوائز الأدبية. وعمومًا يمكن القول إن ناصف سلك في روايته الأولى تلك مسلك عدد من الأدباء العرب الذين عالجوا العلاقة بين الشرق والغرب روائيًا، ومنهم طه حسين وتوفيق الحكيم والطيب صالح وسهيل إدريس. ويبقى أن نورد هنا نص الإهداء: "إلى شخصية فاروق، أحبك جدًا، وأتمنى أن أكون مثلك، لكني لا أستطيع". وهو يصلح أن يكون على لسان حسن عبد الرحمن، كما يصلح أن يكون على لسان ناصف نفسه، أما دلالاته فتحتاج إلى مقالة أخرى!
نبض