سبع عشرة قصيدة تمثل المتن الشعري لديوان "لا أحد ينتظرك غير الأشجار" للشاعر المصري جورج ضرغام، الصادر حديثاً عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.
يبدأ الديوان بقصيدة "مطر يغسل الذكريات" وينتهي بقصيدة "كي لا تصير الرومانتيكية بلهاء"، وبينهما تنويعات متعددة تستعير بعضاً من حيوات الآخرين على نحو تخييلي، حتى وهي تتماس مع شخوص واقعيين من قبيل قصائد "إلى حلمي سالم، إلى شوبنهاور، إلى دون كاميلو، إلى أنطون مارون الحلبي"، أو تستعير بعضاً من المدونة الذاتية عبر توظيف الذات الشاعرة تيمة الأب على نحو فني اتكاء على التخييل الذاتي، فالأب هنا ليس عمومياً، ولكنه يشير إلى متعين محدد بالنسبة للذات الشاعرة.
أو تحيل على غواية الشعر، ونزق الشعراء كما في قصيدة "عن مدينة حررها الشعراء"، أو تحيل إلى شخوص ونصوص خارج النص في إطار ما يعرف بالتفاعلات النصية كما في "القبطي الأخير يصلب نفسه فينزف قهوة"، التي يهديها ضرغام إلى الشاعر والروائي المصري يوسف وهيب ويتماس فيها مع عنوان روايته اللافتة "تغريبة القبطي الأخير".

الأشجار مفردة مركزية
تعد الأشجار المفردة المركزية في الديوان، وتتواتر داخله وفق صيغ مختلفة، وقد صدر بها الشاعر العنوان، مثلما أتت في عنواني قصيدتين منفصلتين، وهما "مراثي شجرة الكورنيش" و"سلمتكم أشجار أورشليم القديمة".
تتعاضد التيمات وتتآزر المكونات البنيوية للديوان على تعددها لتخلق جداريتها الخاصة المعتمدة على صيغ أسلوبية وتكنيكات شعرية مختلفة باختلاف الطرح الموضوعي داخل القصيدة.
التّصدير والتّكنيكات
يصدر جورج ضرغام ديوانه بعبارة دالة، مقتطعة من المسار الشعري لقصيدته "عن مدينة حررها الشعراء"، تنبئ عن غائية الكتابة من وجهة نظره، فتبدو شفيفة ورائقة، لا تحمل وهم تغيير العالم، بل تسعى لمعاينة ذلك الجوهر الإنساني الثري:"نكتب لتسلية الأرامل. نكتب للذين تركوا أياديهم في جيوب معاطفهم كزهور منسية، وللذين جاءوا وذهبوا بلا غبار"...

وفي قصيدته الأولى "مطر يغسل الذكريات"، تتداعى الصور الشعرية مثل مطر ينهمر، ويبدو التدفق الشعري جوهراً أصيلاً في بنية النص عند جورج ضرغام، وقد رأيناه في ديوانيه السابقين "هيستيريا شتاء قاهري/ شبيه المسيح يشعل حرباً باردة"، ويحضر هنا بقوة أيضاً، تتشكل "مطر يغسل الذكريات" من ثلاثة عشر مقطعاً، يحيل فيها النص إلى عنوانه الذي يبدو مذكوراً نصياً في المتن الشعري: "لا تخرجوا../
فلا أحد ينتظر في الخارج غير الأشجار../ الجميع ليسوا هناك،/ غادروا../ وتركوا الشارع/ وحيداً دون أصدقاء:/
العاشقة المتسولة للذكريات،/ والتي مسختْ نهدها رصيفاً ليلياً/ لتوزع حليبها على مرضى الأسنان/ والقلب/ والكبت النفسيّ/، ركبتْ على ظهر الذباب../فطارت،/ ونسيتْ أن تغلق البئر وراءه!/ الطفلة التائهة، أخذتها دمية تائهة،/ وذهبتْ لتريها لعبة الحرب../ وترقيها بالغبار!" .
وعلى عادة القصائد التي تلجأ إلى التقسيم المقطعي ثمة حرية في الحراك الزماني والمكاني، خلقت ديناميكية متواترة، وتنويعات داخل النص الواحد، ومراوحات بين الذات والعالم، بين الشعراء والشعر: "والشعر بسيط كالحزن../
كل ما لدى الشاعر مأساة وحيدة/ أراد
أن يشرككم بها،/
فإما أن تكون شاعرا،/
أو رجلا سيئ الحظ !"..
وفي "مراثي شجرة الكورنيش"، تعود الأشجار وقد صارت مسنداً إليه ينبني عليه النص "الشجرة سيدة لا تمل الانتظار/ الشجرة دولاب الحكايات العابرة"، بعدما كانت ما يؤنس فقط في القصيدة الأولى.
ويستخدم الشاعر هنا تكنيك البناء على المفردة وهو التكنيك ذاته الذي يستخدمه في القصيدة الأخيرة مع تنويع في الاستخدام اللغوي، وتثبيت لوضعية الفعل المضارع في قصيدة "كي لا تصير الرومانتيكية بلهاء:"
"القُبلة لها ذيل مسعور/ تفر من تماثيل الخرس/ تفر من نعاس قهوة فقدتْ أسنانها/ تفر من تجاعيدِ لذةٍ محنطة، وتصبغ دمعتها/ تفر من خصر مزهرية تخشى كسر سرها/ تفر من مخيلة العرق المعطلة/ تفر من ملل ربطة عنق لا تجيد الزراعة كأفاعي المجاز/ تفر من غثيان موسيقى تغمض عيونها/ تفر من بكارة الماء، وتحممه بشهوةِ نابٍ لا يستحم".
وقد احتاجت القصيدة في نهايتها الي كسر الإيقاعات الثابتة، مثلما كان عنوان القصيدة الأولى "مطر يغسل الذكريات"، يمكن أن يكون أكثر بانورامية واتساعاً لو كان "مطر".
طاقات المجاز والخطاب
في "نيوز بار"، ثمة تفعيل لطاقات المجاز المستند إلى اللعب اللغوي من جهة، والعلاقات الغرائبية من جهة ثانية، بحيث يصبح غير المألوف جوهراً في شريط الأخبار: (1- أحمر الشفاه بالمجان.. أول آذار./2- الأحد عطلة رسمية.. "عيد الإوزة" ريشة الطيبين على صلعة الفلاسفة./ 3- زلزال مدمر يضرب خصر حبيبتي./ 4- أجمل الكوارث: الحب حين يقع/ 5- مجلس الأمن يستبدل أعضائه الدائمين بـ 5 شعراء نثر./ 6- إحباط محاولة تسلل جماعية لأسناني أثناء مرور
نهدين صغيرين وصاحبتهما حاملة اللهب".
يأخذ الديوان منعطفاً جديداً عبر استدعاء فكرتي الخطاب، discourse، والرسالة message معاً في قصائد "إلى أبي/ إلى رومينا فرنجية/ إلى رومينا مرة أخرى/ إلى حلمي سالم/ إلى شوبنهاور/ إلى دون كاميلو/...) على تنويعات في ما بينها، حيث تنطلق قصيدة "إلى أبي" من العام إلى الخاص، أو من التحليق إلى ظلال الواقع "الطائرات أحذية الموتى البيضاء/ والمطر عرق أبي/ رحل أبي في منتصف الليل/...".
وتظل هذه المراوحات ديدن القصيدة حتى مختتمها الشعري الدال.
يعاين الشاعر في قصيدة "إلى رومينا فرنجية" ذلك الجمال الطافر، والألم الممض الذي يعود إليه من جديد مستدركاً في قصيدة "إلى رومينا مرة أخرى".
ثمة توظيف لآلية البناء على الجملة المركزية في قصيدة "إلى حلمي سالم"، حيث تتواتر الجملة الشعرية "من قال إن الموتى لا يرجعون".
وبعد... يسير جورج ضرغام بخطى متجددة، وثابتة، نحو تدشين مشروعه الشعري في متن الشعرية الجديدة، ويبدو ديوانه الثالث "لا أحد ينتظرك غير الأشجار" خطوة نوعية في هذا المسار....