26-06-2023 | 19:31

"الشارع" يستحيل عالماً واسعاً في رواية إنجي همام

ثمة عوالم حميمة لصيقة بالذات الساردة في الروايات الثلاث للكاتبة المصرية إنجي همام "موت الجدة مليكة"، "بالقرب من الحياة"، "في الليل على فراشي". نثار من التفاصيل اليومية، والذكريات المنوعة، وعوالم النوستالجيا والفقد. كانت ندية وأحلام ممثلتين لخطين متشابكين في السرد في "بالقرب من الحياة"، وهنا في الرواية الجديدة "في الليل على فراشي" والصادرة في القاهرة حديثا عن دار بدائل. سنجد ودود وآديل على اختلاف في تمايزات العلاقة وخصوصيتها في الحالين. وبدت تيمة الشوارع عتبة نصية في "بالقرب من الحياة"، عبر الإهداء الدال "إلى أولئك العاديين الذين يمشون في الشارع لا يلفتون انتباه احد"، أمّا في رواية "في الليل على فراشي"، فتعود لتصبح بنية مهيمنة على فضاء الرواية، فتهدي عملها إلى "شارع شريف (المدابغ سابقا)، إلى دراويشه ومريديه... الفقراء والصعاليك والحالمين... إلى زحامه النهاري وهدأته الليلية". يتسع العالم هنا أكثر، ويصبح حاوياً لتنويعات متعددة، تشمل البشر، والأمكنة، واللوحة التشكيلية، والسينما، وهوامش المدينة المغوية. ثلاثون فصلاً سردياً تشكل مجمل المتن السردي لرواية "في الليل على فراشي"، تطلّ من بينها الوحدة بوصفها قدراً محتوماً، وتلوح من بين ثناياها فكرة الاغتراب النفسي، التي تسعى الساردة البطلة إلى كسرها عبر مغامرة مثيرة في شوارع وسط المدينة. المدينة التي مثلت سردية متواترة في عشرات النصوص السردية، وانقسمت الكتابة بشانها الى عين المرتحل الذي يرى العالم من زوايا نظر خارجية، والآخر الذي يراها من الداخل. وهنا ثمة عين محبة، متأملة، باحثة عن الجمال والدهشة. عين لم تزل ترى العالم من زوايا مثالية ورومانتيكية عززتها السياقات المنتجة لحركة الشخصية المركزية في الرواية (ودود) التي قدمتها الرواية وفق سردية شجنية، تعاني من هذا التخلي المبكر، تبحث عن البيت الأول فلا تتذكر سوي بيت خالها أديب وزوجته رقية.
"الشارع" يستحيل عالماً واسعاً في رواية إنجي همام
Smaller Bigger
ثمة عوالم حميمة لصيقة بالذات الساردة في الروايات الثلاث للكاتبة المصرية إنجي همام "موت الجدة مليكة"، "بالقرب من الحياة"، "في الليل على فراشي". نثار من التفاصيل اليومية، والذكريات المنوعة، وعوالم النوستالجيا والفقد.
في الرواية الجديدة "في الليل على فراشي" والصادرة حديثاً عن دار بدائل في القاهرة،
سنجد ودود وآديل على اختلاف في تمايزات العلاقة وخصوصيتها في الحالين.
وفيها تبدو الشوارع بنية مهيمنة على فضاء الرواية، فتهدي الكاتبة عملها إلى "شارع شريف (المدابغ سابقاً)، إلى دراويشه ومريديه... الفقراء والصعاليك والحالمين... إلى زحامه النهاري وهدأته الليلية".
يتسع  العالم هنا أكثر، ويصبح حاوياً لتنويعات متعددة، تشمل البشر، والأمكنة، واللوحة التشكيلية، والسينما، وهوامش المدينة المغوية.
 ثلاثون فصلاً سردياً تشكل مجمل المتن السردي لرواية "في الليل على فراشي"، تطلّ من بينها الوحدة بوصفها قدراً محتوماً، وتلوح من بين ثناياها فكرة الاغتراب النفسي، التي تسعى الساردة البطلة إلى كسرها عبر مغامرة مثيرة في شوارع وسط المدينة. المدينة التي مثلت سردية متواترة في عشرات النصوص السردية، وانقسمت الكتابة بشأنها إلى عين المرتحل الذي يرى العالم من زوايا نظر خارجية، والآخر الذي يراها من الداخل. 
وهنا ثمة عين محبة، متأملة، باحثة عن الجمال والدهشة. عين لم تزل ترى العالم من زوايا مثالية ورومانتيكية عززتها السياقات المنتجة لحركة الشخصية المركزية في الرواية (ودود) التي قدمتها الرواية وفق سردية شجنية، تعاني هذا التخلي المبكر، تبحث عن البيت الأول فلا تتذكر سوى بيت خالها أديب وزوجته رقية.
ولكن بدت لدى ودود روح مغامرة ومقاومة في الآن نفسه، تتماهى مع حركة الشوارع وونس البيوت، هي في الحقيقة تحب من الشوارع هوامشها، لحظاتها الاستثنائية، بناياتها الساكنة الناطقة بالجمال، تستبدل الذات الساردة عزلتها المقيمة داخلها بأنفاس الشوارع ذاتها، بهدوئها الليلي، وصباحاتها النهارية البكر.
في الرواية، ليس هناك رفقة جسدية ولا إيروتيكية مغوية لكنها ونسة من نوع خاص، تعقدها ياء المتكلم أو ياء النسب لو شددتها، ويبدو الليل هنا قسمة الذات الساردة، وفراشها الأثير، سكنها وهي تقف في نافذة منزل صديقتها العجوز الفرنسية الجميلة "آديل"، تطالع وجوه المارين؛ حتى تعثر على كنزها المستقبلي: "في ذلك الليل الحاني وحدي أحاور البنايات العتيقة الصامدة، أحاور الزمن نفسه حوارًا دافئًا. عزيزتي "آديل" كم أدين لكِ بلحظات الجمال والرفق الروحي هذي، لن أنسى أبدًا كونكِ مبتدأ لعباتي الأثيرات الحقيقي، بل مبتدى تغيري الأبدي".
 
إن مجازات الغربة والوحدة المطلتين من العنوان تدفعان به إلى معاينة التصدير الذي تستهل به الكاتبة روايتها، والذي تتناص فيه مع رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس: "إننا لا ننظر إلى الأشياء التي تُرى، بل إلى الأشياء غير المرئية لأنَّ التي تُرَى وقتية، وأما التي لا تُرى فأبدية".
يبدو التصدير منفتحاً على الدلالة السردية التي تعاين فيها الساردة البطلة عوالم هامشية، حيث أولئك العابرون والمقصون الذين يلوحون منذ الحدث المفجر للسرد، فثمة فتاة تقف في شرفة صديقتها الفرنسية آديل لتعاين العالم، فتلتقط عيناها الباحثتين عن كل ما يبدد وحدتها، ومللها، وفراغها الذي كان مثاراً لنصح القريبين وعظتهم السمجة بالنسبة لها.
 
 
مسارات السرد
 تبدأ الرواية في تتبع المسارات المتعددة لبطلتها وراويها المركزي، وتتعدد هذه المسارات وتتنوع، تنظم خيوطها المتجادلة قبضة السارد الرئيسي الذي يمسك بزمام النص منذ المبتدأ وحتى الختام.
ثمة مطاردة مثيرة في شوارع القاهرة، بطلتها الساردة التي تلاحق زعيماً ليلياً لمجموعة غامضة تدخل القصر المهجور (قصر البارون ديجليون)، إحدى التحف المعمارية في وسط المدينة، وقد صار فرعاً من فروع بنك الإسكندرية في شارع شريف.
إن تكنيكات التشويق الدرامي، وفضاءات الصورة الروائية تعززان من حركية النص، من جهة، وتنتجان دلالته السردية من جهة ثانية.
تتبع ودود الرجل المجهول، بل وتمتلك شجاعتها أخيراً بعد ليال عدة تنتظر لحظة الوصول، ينتقل الشغف من ودود إلى الفعل السردي ذاته، ومنه إلى المتلقي الذي يجد بطلته أمام رجلها الغامض في معمل للتحاليل الطبية، لقد عرفت أخيراً الطريق إليه، في منطقة الدقي القريبة من وسط المدينة، لتتعقد مسارات الحكاية، فما الذي يدفع بطبيب إلى ارتياد قصر مهجور في ساعة متأخرة من الليل ومعه زمرة من الأشخاص الإشكالييين.
ويمثل رشيد هنا ما يعرف بالشخصية الحافزة والمحركة للسرد، والدافعة بالموقف الدرامي إلى الأمام.
 
 
ودود ورشيد
ربما يتشارك رشيد وودود في ملاقاة كل ذلك العنت من العالم، كلاهما يبحث عن أمان مبتغى. عزلة منشودة يشكلان فيها عالمهما، يبدوان متباعدين في البداية، لكن الحكايات عن الهوامش تجمعهما، مثلما يضمهما الليل أيضاً، بوصفه مخزن الأسرار المنسية في وضح النهار، ومأوى المؤرقين والمقموعين. يمنح رشيد ودوداً خبرة العيش في عالم نزق، وهي الباحثة عن مغامرة تبدد وحدتها، هنا سنجد أمجد، وباهي، وحاتم، سنجد يونس وحكايته مع صديقه أمين السوداني، سنجد مطراً التي صارت تتلبسها روح طفلها الغائب، فتصير هي هو ليلاً.
وفي جعبة ودود سنجد "أبو هريرة"، أو عبد السلام أو مأمون، حيث لكل اسم حكايته التي تضعها الكاتبة في المتن الروائي، مثلما سنجد الصيدلي الشاب جورج وجدته الفنانة الأرمينية "سفيانا"، التي لعبت أدواراً مغمورة في الأفلام القديمة، في توظيف دال لتقنية الترصيع السردي، التي تمثل أحد التكنيكات المركزية في رواية تنهض على جدل الحكاية الأم النابعة من خط القص الرئيسي (ودود ورشيد)، والحكايات الفرعية التي تتناسل عنها وتتفرع من ذلك المتن الأساسي.
 
 تكنيكات سردية
ويمثل الولع بعوالم الأبيض والأسود والسينما القديمة والأغاني الكلاسيكية علامات دالة إلى التكوين النفسي للبطلة المركزية في الرواية "ودود".
ثمة تكنيكات أخرى ينفتح عليها النص، من قبيل توظيف الكاتبة تكنيك التعليق السردي: "ربما للمعاني أن تنجذب لرغبات الناس أكثر مما عداها في هذا العالم" (ص 66).
 
تحتفي الكاتبة بمفتتحات الفصول السردية، التي تعد جزءاً أصيلاً من بنية الرواية، وتبني عليها مقاطعها السردية، مستأنفة الحكي، مع تنويع في الأداء اللغوي، من قبيل: "جسد الحقائق ملتحمٌ ببعضه، حتى أنه لا يمكنك تخليص شيء منه نقيًّا، الكل متسربٌ إلى الكل... اليوم أحد أيامي للحكي، كان ينتظرني هناك، على مقهى البورصة أمام محل السجاد القديم، أطلب الكولا وكوبًا من مكعبات الثلج. بعض النسيم الصيفي في ممر المقاهي يساعد روحي على جمع شتاتها" (ص 115).
 
ثمة  اختراع للعالم عبر استدعاء آلية اللعب الطفولي، وتوظيفه في بنية السرد كما نرى في (ص 99) من خلال ( غزالة) المتوهمة.
وفي المختتم الروائي تتدافع الحوادث، وتتشابك مسارات السرد، ولم يعد من سبيل أمام ودود سوى التماهي مع عالمها الجديد، فتكمل ما بدأه رشيد، وتتعاطف مع أولئك المنسيين في شوارع المدينة وزحامها المميت.
 تستدعي ودود تلك الرقة الساكنة في الروح وهي تغالب قسوة العالم.
"في الليل على فراشي"، ثمة كاتبة حقيقية، تصنع عالماً يخص كتابتها، تخلق له منطقه الجمالي بلا تعسف أو تزيد، وعبر أداءات لغوية محكمة، واجتراحات فنية تستدعي من الفن روحه المغامرة، ومن الرواية أبنيتها التخييلية والتشويقية عبر بنية سردية متناغمة تستدعي شغفاً متواتراً بالعالم، في هامشيته، وبالمكان في اختزانه المرئي وغير المرئي، حيث جدل الصخب والسكون، جوهراً أصيلاً في رواية تنبئ عن كتابة مغايرة، وإمكانات فنية ثرية متعددة الطبقات والتأويلات.
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.