وجدي الكومي يكتب سيرة محمود سعيد روائيًا
تقدم رواية "بعد 1897 صاحب المدينة" (دار العين – القاهرة) للكاتب وجدي الكومي، سيرة المصور المصري محمود سعيد (1897 – 1964) الذي وُصف في نعيه المنشور في "الأهرام" بالمستشار، لعمله في سلك القضاء، وكان الأجدر أن يشير النعي إلى أنه أحد أهم الفنانين التشكيليين على مستوى العالم.
تلك الملاحظة ليست لي، ولكنها للكاتب الافتراضي للعمل الذي يحيل عنوانه إلى سنة ميلاد محمود سعيد، ومن ثم معاصرته لرواد أسهموا في نهضة مصر الحديثة في مجالات مختلفة، ومنهم مثلًا الموسيقار سيد درويش (1892 – 1923) والسياسي سعد زغلول (1859 – 1927) والنحات محمود مختار (1891- 1934) وعميد الأدب العربي طه حسين (1889 – 1973) والأديب توفيق الحكيم (1898 – 1987).
كما يشير العنوان إلى مدينة الإسكندرية التي ولد فيها سعيد، ونجح في تخليدها عبر عدد كبير من لوحاته، وكانت في زمنه رافدًا مهمًا لصناع الحداثة وما بعدها، على مستوى العالم، ومنهم مثلًا قسطنطين كفافيس، الشاعر ذو الأصل اليوناني، ولورانس داريل البريطاني صاحب "رباعية الإسكندرية"، التي يعتبرها نقاد بداية لتيار ما بعد الحداثة في الأدب العالمي.
نهاية حقبة
تبدأ الرواية بموت محمود سعيد، وكأنه تأكيد لنهاية حقبة زمنية كانت فيها مصر على اتصال وثيق بتطور فنون العالم وآدابه، ومساهِمة في الوقت نفسه في ذلك التطور.
كانت مصر الرسمية وقتها لا تزال تعتبر نفسها الجزء الجنوبي من "الجمهورية المتحدة"، رغم إعلان سوريا (الجزء الشمالي) انفصالها عن تلك "الجمهورية" بعد مرور أقل من خمس سنوات على تشكلها.
كانت مصر الرسمية كذلك تستعد لاستقبال الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف، عندما تلقى شاب ثلاثيني عبر الهاتف خبر رحيل محمود سعيد.
هذا ما ذكره الكاتب الافتراضي لتلك الرواية السيرية، ربما تأثرًا بما كانت تمثله أسرة سعيد في الحياة السياسية لمصر قبل 1952، فوالده محمد سعيد تولى رئاسة الحكومة غير مرة، وابنة شقيقته هي الزوجة الأولى للملك فاروق وقد عرفت باسم الملكة فريدة، واشتهرت بممارستها الفن التشكيلي، وكانت من أوائل النساء اللاتي رسمهن محمود سعيد من طبقته الأرستقراطية، قبل أن يكرس شغفه لرسم وجوه من الطبقة الكادحة.
ومن ثم يتضح أن ذلك الشاب الذي خصَّته الرواية بتلقي خبر وفاة سعيد عبر الهاتف، كان صاحبه الأخير الذي كان يعهد إليه بحفظ أوراقه الخاصة ووصاياه ودفتر لوحاته الموثَّقة، علمًا أن علاقته به بدأت قبل رحيله بست سنوات.

تقنية اليوميات
وهناك بداية أخرى تتمثل في كشف النقاب عام 2010 عما كان يقتنيه الشاب نفسه ويحتفظ به في شقة في القاهرة من أعمال سعيد التشكيلية ويومياته المكتوبة بالفرنسية.
كان ذلك الشاب قد اغترب لما يزيد عن ثلاثين عامًا، وبعد موته جاء ابنه ليستثمر في تلك الخبيئة التي لا تقدر بمال.
يبدو الكاتب الافتراضي للرواية خبيرًا في عالم محمود سعيد وعالم الفن التشكيلي عمومًا، وفي الحقبة التي شهدت حوادثَ مؤثرة جدًا في تاريخ مصر الحديثة وفي مقدمها ثورة 1919.
وعبر تقنيات عدة للسرد أبرزها تقنية اليوميات، وكذلك تقنية الرسائل، يتشكل متن العمل الذي يعكس جهدًا بحثيًا لافتًا بذله وجدي الكومي في سياق استعداده لكتابة هذه الرواية.
وهكذا يزخر المتن بمعلومات تاريخية موثَّقة، لكنها تنساب في سياق درامي مشوق، يتناسب مع كوننا بصدد عمل روائي وليس مجرد عمل بحثي عن واحد من أهم صانعي نهضة مصر الحديثة في مجال الفن التشكيلي، وإن أخذنا عليه الاستغراق أحيانًا في المعلوماتية، والحوار الذي يجمع بين الفصحى والعامية.
تعلّم سعيد في مرسم الإيطالي زانييري لثلاث سنوات بدأها عقب بلوغه الـ18، وبالطبع ما كان له أن ينخرط في تلك الدراسة بدون رضا والده الذي كان يرغب كذلك في أن يرث ولده عنه العمل في سلك القضاء ومن ثم التهيؤ لشغل مناصب سياسية. ولذلك سيدرس محمود سعيد الحقوق لنيل رضا والده، وسيحظى في الوقت نفسه بدعم غير مشروط لولعه بالتصوير من والدته "عديلة هانم مظلوم"، وهي سليلة عائلة رفيعة المقام، ومن شقيقته الكبرى "زينب" التي كانت الموديل الأول له. وفي تلك المرحلة المبكرة كان محمود سعيد يتردد على "بيت الست طالبة"، وهو أشبه ببيوت الدعارة، لا ليستمتع بمضاجعة إحدى نسائه، ولكن ليرسمهن، بعدما تيقّن من أن التصوير هو "كل حياته".
رحلة باريس
في 1919 سافر محمود سعيد إلى باريس للدراسة في أكاديمية فرنسية للتصوير. يخبرنا الكاتب الافتراضي بذلك في المتن وفي هامش أسفل الصفحة، نجده ينبه القارئ إلى أن ترتيب اليوميات التي كتبها محمود سعيد في دفتره "ليس بالترتيب نفسه الذي وضعناه هنا".
أحيانًا كان سعيد يكتب في ذلك الدفتر عن نفسه بضمير الغائب. فعل طه حسين الشيء نفسه وهو يكتب سيرته "الأيام". ومعروف أن طه حسين تعلم أيضًا في فرنسا وأعد في إحدى جامعاتها أطروحته الثانية للدكتوراه وعنوانها "الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون"، عام 1918، إضافة إلى إنجازه دبلوم الدراسات العليا في القانون الروماني، والنجاح فيه بدرجة الامتياز، وفي غضون تلك الأعوام كان قد تزوج من سوزان بريسو الفرنسية السويسرية الجنسية التي ساعدته على الاضطلاع أكثر فأكثر باللغة الفرنسية واللاتينية، فتمكن من الثقافة الغربية إلى حد بعيد. وارتبط محمود سعيد كذلك بفنانة تشكيلية فرنسية تدعى "ستيفاني غارنييه"، خلال دراسته في باريس، لكنه لم يتزوجها، فيما ظلت هي تبعث إليه برسائل غرامية بعد عودته إلى مصر، ولم تتلق منه ردًا على أي منها.
الثورة
تزوج محمود سعيد بطريقة تقليدية، تناسب انتماءه إلى الطبقة الأرستقراطية، وتُحقق في الوقت ذاته رضا والده الذي كان يقول له إن "الرسم والتلوين والتصوير، أمور ليست مناسبة لأسرتنا ولمكانتنا".
وفي باريس، توقَّع له أستاذه الفرنسي ويدعى بورديلي أن يقلب موازين فن التصوير في مصر، وقال له بوضوح: "أعمالك ستحدث ثورة"، وانتقد في الوقت نفسه الدكتاتورية التي اتبعها والده محمد سعيد باشا عقب توليه رئاسة الحكومة المصرية في أيار (مايو) 1919، وأخبره بلا مواربة أن سعيد الأب بالتالي نصًا: "أبوك جاء إلى مقعده سيرًا على الدماء المسفوكة".
كانت الثورة الأبرز في تاريخ مصر الحديثة على الأبواب، ما جعل السياسيين الوطنيين، ومعهم المثقفون، يرون قبول سعيد الأب تولي منصب رئيس الوزراء "طعنة في ظهر الحركة الوطنية"، بحسب تعبير الكاتب الافتراضي لهذه الرواية السيرية.
قضى سعيد في فرنسا ثلاث سنوات، قبل أن يعود إلى مسقط رأسه الإسكندرية، التي كانت في ذلك الوقت أشبه بمدينة أوروبية. بعد عودته صار أكثر تشبثًا بأن يصور نساء الإسكندرية في لوحاته. كان قد تأثر بلوحات بيتر بول روبنز التي تصور نساءً عاريات، "تسكب أعينهن الشهوة، بينما أثداؤهن تلتمع بسطوة الضوء"، بحسب ما سجله سعيد في يومياته.
في تلك اليوميات كتب سعيد أيضًا عن تأثره في ذلك النزوع ببول سيزان (1839 – 1906) ولوحته "خمس مستحمات"، وبالسويسري فليكس فالوتون (1865 – 1925).
في تلك الأثناء، كان الأمير يوسف كمال ينشئ مدرسة الفنون الجميلة، وكان محمود مختار يعمل على تمثاله "نهضة مصر"، بينما كان محمود سعيد يحاول الموازنة بين عمله في المحاكم، ونبوغه في التصوير الزيتي. كان محمود سعيد ينأى بنفسه عن السياسة، قدر استطاعته، على عكس مختار الذي كان لا تخفى الأبعاد السياسية لتمثاله "نهضة مصر" والذي جرى إنجازه باكتتاب ساهمت فيه جموع المصريين الذين وقّعوا وثيقة تفويض سعد زغلول ليتفاوض باسمهم من أجل إنهاء الاحتلال الإنكليزي. وهكذا رأى مختار أنه لا أحد في هذا البلد يستحق أن يجسده تمثال باستثناء سعد زغلول. كان لمحمود سعيد بلا شك اتجاه مختلف، لكنه بلغ به حضورًا عالميًا، يزداد زخمًا بمرور السنين، وهذا هو ما أراد أن يؤكده وجدي الكومي من خلال تلك الرواية.
نبض