التّونسي عبد المنعم شيحة مستعيداً نظريّة جنيت في الخطاب القصصي
مذ أرسى الناقد الفرنسي جيرار جينيت (1930 - 2018) نظريته النقدية في الخطاب القصصي، بداية السبعينات من القرن العشرين، شكّلت علامة فارقة في تاريخ المباحث السردية، وأثارت الكثير من الجدل والنقاش، فتشكّلت حولها حركة نقدية ناشطة، ووضعت فيها الكتب والدراسات، وانقسم فيها الدارسون والنقاد بين: من هو مؤيد لها يتبنى مقولاتها ويعمل بها، ومن هو معارض لها يبيّن مكامن الخلل فيها، ومن هو بين بين يأخذ منها بمقدار ويترك بمقدار.
على أن الجميع تفاعل معها وقام باستثمارها أو استغلالها، ونجم عن ذلك كله أن تشغل السرديات موقعاً متقدّماً في المباحث السردية المتفرّعة عمّا أسماه دو سوسور "علم العلامات العامة". ولم يكن العرب بمنأى عن هذه الحركة، من موقع المنفعل بها أكثر من الفاعل فيها، فترجموا هذه النظرية إلى العربية، واستخدموا آلياتها في تحليل الخطاب القصصي العربي، في ظل حاجتهم إلى منظومة نقدية جديدة تلائم روح العصر.
مذ أرسى الناقد الفرنسي جيرار جينيت (1930 - 2018) نظريته النقدية في الخطاب القصصي، بداية السبعينات من القرن العشرين، شكّلت علامة فارقة في تاريخ المباحث السردية، وأثارت الكثير من الجدل والنقاش، فتشكّلت حولها حركة نقدية ناشطة، ووضعت فيها الكتب والدراسات، وانقسم فيها الدارسون والنقاد بين: من هو مؤيد لها يتبنى مقولاتها ويعمل بها، ومن هو معارض لها يبيّن مكامن الخلل فيها، ومن هو بين من يأخذ منها بمقدار ويترك بمقدار.
على أن الجميع تفاعل معها وقام باستثمارها أو استغلالها، ونجم عن ذلك كله أن تشغل السرديات موقعاً متقدّماً في المباحث السردية المتفرّعة عمّا أسماه دو سوسور "علم العلامات العامة". ولم يكن العرب بمنأى عن هذه الحركة، من موقع المنفعل بها أكثر من الفاعل فيها، فترجموا هذه النظرية إلى العربية، واستخدموا آلياتها في تحليل الخطاب القصصي العربي، في ظل حاجتهم إلى منظومة نقدية جديدة تلائم روح العصر.
مآلات الخطاب
هذا التفاعل مع النظرية الجينيتية، بشقيه الغربي والعربي، هو موضوع البحث/ الكتاب الذي قام به الأكاديمي التونسي والباحث في مجال السرديات عبد المنعم شيحة، الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي والنادي الأدبي الثقافي، بعنوان "نظرية الخطاب القصصي بين السرديات الغربية والنقد العربي"، وهو بحث "يحكي لنا مآلات الخطاب القصصي بين السرديات الغربية والنقد العربي، ويميط اللثام عن إشكالات أصابت هذه النظرية، سواء عند أصحابها في الغرب، [...] أو عند "أصحابنا" في الشرق"، على حد تعبير الأكاديمي حسن البنا عز الدين في تقديم الكتاب (ص11).
يقع البحث/ الكتاب في مقدمة، وثلاثة أبواب يشتمل كل منها على فصلين اثنين، وخاتمة عامة. وفيه يرصد الباحث موقع الخطاب الجينيتي في مجال السرديات وخصوصيته وأقسامه، في الباب الأول. ويتلمّس مفاعيله في المباحث النقدية الغربية والعربية، في الباب الثاني. ويقارن بين تمظهراته في المدوّنتين، في الباب الثالث. وهو ما نقوم بتفصيله أدناه، بدءاً من المقدمة، مروراً بالأبواب الثلاثة وفصولها الستة، وصولاً إلى الخاتمة.
موقع وخصوصيّة
يقدّم شيحة لبحثه بذكر الدوافع التي أملت عليه القيام به، والإشارة إلى النتائج المترتبة عليه، وتحديد محاور اهتمام البحث ومحتوياته، وشكر من راجع الكتاب ووجّهه بملاحظاته وقدّمه. ويمهّد للباب الأول منه بتحديد الموقع المهم الذي تشغله السرديات في المباحث السردية. وهو موقع يكتسب أهميته من: اهتمامها بالقصص، ورصدها معالم أدبية النص، وتولّدها من الإنشائية البنيوية، واستخراج أدواتها الإجرائية من محاولات متراكمة تعود في أصلها إلى الشكلانيين الروس. ويرصد في الفصل الأول من هذا الباب تموقع خطاب جيرار جينيت القصصي، بآلياته الواضحة ومقولاته المتراتبة، في القلب من السرديات. وهو الذي وضع منهجاً متكاملاً وأرسى أدوات إجرائية يتم بها جلاء قصصية القصص، من جهة. ويرصد خصوصية نظرية القص عند جينيت من حيث تركيزها على النص بمعزل عن العناصر الخارجية، وتمحورها حول الخطاب القصصي، وسعيها إلى استخلاص نتائج علمية قابلة للتطبيق على جميع القصص، من جهة ثانية. ويقوم الباحث، في الفصل الثاني من الباب نفسه، بجرد سريع لآليات خطاب جينيت القصصي والخصائص التي يقوم عليها، مشيراً إلى أن جينيت توصّل إلى تلك الآليات والخصائص من خلال دراسة تطبيقية أجراها على رواية "في البحث عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل تكفي رواية واحدة، مهما بلغت أهميتها، لتجريد آليات وخصائص يمكن تطبيقها على جميع الروايات؟ مهما يكن من أمر، فإن جينيت يستند إلى مصطلحات علم اللسان في تفكيك العلاقات بين مقومات القص البروستي؛ فيدرس الزمن من خلال محددات النظام والسرعة والتواتر، ويدرس صيغة الخطاب من خلال علاقتها بالمسافة والمنظور القصصي، ويدرس الصوت السردي في تعالقه مع زمن السرد ودرجاته والراوي ووظائفه.
ويخلص الباحث إلى أن جينيت في خطابه ينشغل بالزمن، ويفصل بين الراوي والرؤية فصلاً منهجياًّ، ويخصص مصطلحات خاصة للسرديات بمعزل عن علم العلامات العام، ويستخدم المنظور الإنشائي البنيوي في استنطاق النص. وهي خلاصات على قدر من الأهمية.

المباحث الغربيّة
وإذا كان شيحة قد وقف الباب الأول من الكتاب على التعريف بالخطاب القصصي موقعاً وآليات وخصائص وأقساماً، فإنه، في الباب الثاني، يتقصى مفاعيل ذلك الخطاب في المباحث النقدية الغربية، من جهة، والمباحث النقدية العربية، من جهة ثانية. فيتناول في الفصل الأول من هذا الباب نظرية جينيت في المباحث الغربية وما أثارته من نقود وتدقيقات في الدرس النقدي الغربي، ويحاول فهم كيفية تحوّلها إلى أحد المصادر الرئيسة في السرديات. وفي هذا السياق، يشير الدارس إلى استناد كثير من دراسات نقد النقد إلى النظرية، وقيامها باستغلال أدواتها في القراءات النقدية المختلفة، من جهة، وتعميق بعض آلياتها وجلاء غموضها من خلال القراءة، من جهة ثانية. ويشير إلى تعرّض النظرية للنقد، على المستويين النظري والاصطلاحي/ المفهومي، من قبل مجموعة من منظّري السرديات؛ فتناقش مايك بال في كتابها "السرديات" مواطن التميّز في النظرية وآليات تحليل القصص، ما يجعل من الكتاب تطويراً لمنهج جينيت، لا سيما في عناصره المحتاجة إلى المراجعة والمساءلة. وتقوم دوريت كوهن بنقد جينيت في موازاته بين الأقوال المنطوقة والأقوال الداخلية، مستثنيةً هذه الأخيرة من حيّز الأقوال لتدخلها في باب الوعي والعوالم النفسية للشخصيات، على سبيل المثال لا الحصر. والمفارق أن جينيت يتعاطى مع النقود التي طاولت نظريته بكثير من المرونة والانفتاح، ويفيد منها في الحاشية التي وضعها على نظريته في عام 1983. وبنتيجة هذا التفاعل بين النقد ونقد النقد، يستقيم مبحث السرديات فرعاً ثابتاً من فروع علم العلامات العام.
المباحث العربيّة
أمّا على المستوى العربي، فيتناول شيحة، في الفصل الثاني من الباب نفسه، الإشكاليات التي يثيرها تطبيق النظرية على المدونة العربية، ويقارن بين آليات النظرية وتمظهراتها في هذه المدوّنة؛ وفي هذا السياق، يشير، على المستوى النظري، إلى استثمار النظرية الذي يقوم به كلٌّ من: سعيد يقطين في كتابه "تحليل الخطاب الروائي"، ويمنى العيد في كتابها "تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي". والمفارق أن شيحة الذي لم يسمح لنفسه بنقد تصرّف الناقدتين الغربيتين مايك بال ودوريت كاهن بنظرية جينيت بل ينوّه بقيام الأولى بتطوير النظرية هو نفسه ينسب إلى الناقدين العربيين المذكورين التحريف والخلط والتركيب وطرح إشكاليات حادة في تعاطيهما مع النظرية. فهل يحق للغربي ما لا يحق للعربي؟ وهل المطلوب أن يكتفي الناقد العربي بالتلقي السلبي للنظريات الغربية دون التفاعل معها والإضافة إليها؟
هذا على المستوى النظري. أمّا على المستوى التطبيقي فيميز شيحة في النقاد العرب بين فئة راعت خصوصيات النص العربي وأجرت عليه المنهج الغربي من موقع التجربة والاختبار ولم تقصره على الاستجابة لمتطلبات المنهج (توفيق بكار وعبد الفتاح كيليطو) وفئة أخرى جعلت المنهج غاية بحد ذاته والنص مجرد وسيلة لإثبات صحته (سيزا قاسم وأحمد السماوي).
في الباب الثالث والأخير، يقارن شيحة، في الفصل الأول منه، بين السرديات الغربية والنقد العربي في تمثّلهما المنهج الجينيتي، فيشير إلى عدم تكافؤ شكلَيِ التعامل مع المنهج، والفجوة القائمة بين نمطَيِ استلهام آليات صنّافة جينيت. ويخلص، في الفصل الثاني منه، إلى تباين الاهتمامات بين المدونتين الغربية والعربية، لا سيما في مرحلة ما بعد السرديات، وإلى وجود هوة في طريقتَيِ التعامل مع نظرية جينيت، ما يطرح السؤال عن موقع النقد العربي في المشهد النقدي العالمي، ومساهمة النقاد العرب في صنع هذا المشهد. وهو ما يتوسع فيه الباحث في خاتمة الكتاب العامة، ويصوغه على شكل أسئلة ستكون الإجابة عنها برسم المستقبل.
وعليه، وفي ختام هذه المتابعة، لا بدّ من الإشارة إلى أننا أمام جهد بحثي نظري رصين، يقوم به باحث جاد، يطرح فيه أسئلة النقد المعاصر، ويضعها في نص سردي ماتع يتخفّف فيه من ثقل البحث، ويضيف متعة القراءة إلى فائدة المقروء.
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض