يونان سعد هارباً من "الزحام" إلى الشِعر
تُثير قصائد ديوان "زحام أحمر" للشاعر المصري يونان سعد (الهيئة العامة للكتاب، القاهرة) جدلاً خلاّقاً فيما بينها، يمكن بلورته بما يسمى "جدل الاتصال/ الانفصال"، بحيث يتواتر الدالّ المركزي في الديوان، والذي يدفع به الشاعر إلى صدارة عنوانه "زحام أحمر"، ويأخذ صيغاً مختلفة في كل مقطع شعري يرد فيه، من قبيل حضوره في القصيدة الأولى في الجملة المركزية "في الزحام الأحمر القاني"، أو هيمنته على المعنى في القصيدة الثانية (في زحام أحمر). هذا العنوان الذي يحيلك أيضا فضلا عن الدلالات الفنية المشار إليها من داخل النص، إلى مدلولات خارجه، تتماس في جانب منها مع ما يسمى "سلوكيات الزحام".
تُثير قصائد ديوان "زحام أحمر" للشاعر المصري يونان سعد (الهيئة العامة للكتاب، القاهرة) جدلاً خلاّقاً في ما بينها، يمكن بلورته بما يسمى "جدل الاتصال/ الانفصال"، بحيث يتواتر الدالّ المركزي في الديوان، والذي يدفع به الشاعر إلى صدارة عنوانه "زحام أحمر"، ويأخذ صيغاً مختلفة في كل مقطع شعري يرد فيه، من قبيل حضوره في القصيدة الأولى في الجملة المركزية "في الزحام الأحمر القاني"، أو هيمنته على المعنى في القصيدة الثانية "في زحام أحمر". هذا العنوان الذي يحيلك -فضلاً عن الدلالات الفنية المشار إليها من داخل النص- إلى مدلولات خارجه، تتماس في جانب منها مع ما يسمى "سلوكيات الزحام".
بنية الديوان
تشكل القصائد الثماني عشرة المتن الشعري للديوان ويتجادل معها الإهداء والتصدير في تشكيل المساحة الكمية له البالغة نحو 129 صفحة.
يبدأ الديوان بإهداء يعد جزءاً من بنيته الدلالية، ويحيلك إلى إحدى المفردات المركزية في الديوان، والتي تتواتر داخله بقوة، وأعني مفردة "القتل"، وهو الفعل الذي صار فعلاً عبثياً يمارسه الكثيرون بلا هوادة، أي القتل بمستوياته المادية والمعنوية.
وهو يفتتح الديوان من خلال القصيدة الأولى وعنوانها "قصائد للتدريب على القتل" والتي تعاين عالماً مربكاً وفوضوياً، تنحو فيه القصيدة، وتسلك الذات الشاعرة موقفاً احتجاجياً من العالم.
وتتشكل السمات الجمالية للقصيدة والديوان معاً في تواتر بعض الملامح الفنية التي نجد بعضاً منها هنا، مثل تكنيك كسر الإيهام: "جئتكم بقصائد مضطربة/ عن القتل/ والتدريب على القتل/ يا من تقرأون الآن/ قابضين على النصل والنحر".
ثم اسئناف الحكي الشعري عبر دوائر متتابعة، والأهم حالة التدفق التي تسكن القصائد وتمثل خصيصة جمالية داخلها.
تلوح في القصيدة الأولى أيضاً ثنائية المهرج والسلطان، وهي تحيلك على تراث مستقر في الفنون بشكل عام، تجد ظلاً لها بدءاً من حكايات ألف ليلة وليلة، مثلما تجد صدى بارزاً لها في أعمال مختلفة من قبيل مسرحية "الملك هو الملك" لسعد الله ونوس.

رؤية العالم
تفكك قصيدة "في زحام أحمر" سلوكيات الفقر والزحام، بل وتحيلك أيضا إلى ما أسماه غوستاف لوبون "سيكولوجية الجماهير"، حيث الولع بكل ما هو شعبوي، حتى لو كان مباركة القتلة.
وفي هذه اللحظات الملتهبة التي تقبض عليها القصيدة، تبرز المحبة بوصفها عنواناً على الخروج من أسر الحصار، مثلما يصبح العشق قرباناً نحو مجاوزة الموت ذاته، وخلاصاً نحو رؤية ما لم ير من قبل: "السيقان النبيلة/تطرقع من الرجفة قبل أن/ تدخل حفلة الدم/ وربما/ ربما ترتاح/
عاشقان/ لأن عاشقين عاشقان/ يقفان على حافة الموت/ منصهرين في وجع المحبة يتمان/ الرسالة/ يقولون في عزة: نجرب الموت كما يجرب مصباح جديد وجع الكهرباء/ نئن كي نولد ننجز في الموت ما لم ننجزه في الحياة ويبصر الناس فعل الموتى بالناس". (ص 18).
أما "جدير بالتذكر كاف تماماً للنسيان" فهو عنوان شعري بامتياز، ابن الشعرية الجديدة جمالياً ودلالياً، وكان يمكن أن يكون عنواناً كلياً للديوان، حيث غلبة اللايقين، وتشظي الذات الشاعرة، واستحضار فكرة الهويات المتعددة للإنسان الفرد، حيث نصبح أمام موزاييك متداخل ربما احتاج هنا الى قدر من انفتاح الرؤية الشعرية أكثر.

تقنيات النص
وفي قصيدة "التاريخ الخالد لرجل يتجادل مع ضلعه"، ينهض النص على تكنيك الحوارية الشعرية، وعلى الرغم من المحاورة ذات النزعة الدرامية إلاّ أنّ حضوراً مكثفاً لماء الشعر ظلّ حاضراً بقوة في القصيدة: "من منكم صاحب هزيمة/ليبع هزيمته/ ويشتر وردة/(.....) / أنا اخوكم هزمتني الحبيبة/ ألا بد أن يصير الرجل إلها حتى يفهم المرأة / جعلتني أنثر التراب في وجه الشمس/ كالمجاذيب/ وأقول لها ما تيسر منها/ من كان منكم بلا سيف / ليبع سيفه/ من يهزم من الآن/ أينا الرجل وأينا المرأة" (ص 35).
ثمة مقطع متصل بالدلالة الشعرية الكامنة خلف العنوان ومعبر عنها في قصيدة "الناقص من المسيح": "المسيح/صانع الشبابيك ابن النجار/ مشى على الماء وأقام ثلاث جيف/ أحب شبابيكه/ فقاسمها آلام المسامير/ ومات قبل أن نعرف/ كيف نواجه الشر بالقبلات" (ص 38).
وتصبح سردية المسيح تكئة للنص هنا كي تنفذ الذات الشاعرة إلى تصورها الوجودي عن العالم الذي يصير الشر فيه أصلاً مطرداً يستعصي على المجابهة.
يختار الشاعر جملة مجتزأة من المسار الشعري في قصيدته "سنقيم المسرح في أي مكان"، ويجعلها عنواناً للقصيدة التي تتواتر فيها مفردات المقهى، والرفيق، والقهوة، والأراجيل فتضفي مسحة واقعية على النص.
ثمة استعارة لعوالم أخرى تخص التاريخ، أو الفلسفة، أو المقدس، واتخاذها مركزاً للفعل الشعري، ثم الخروج منها إلى ما يخص جدل الذات والعالم، مثلما نرى في قصيدة "وفاة أفلاطون": "الرجل الذي اخترع لنا الأرض المثال، انتحر أستاذه بجرعة السم، ومات منكوداً بالحمى؛ لما سأله أحد تلامذته أن يخرج له الجنة من رفوف المكتبة" (ص 52).
وفي هذا المسار الشعري نجد ظلالاً لنيتشه في قصيدة "نشيد الوصول"، وإن كان النص بحاجة إلى الاحتراز من الوقوع في فخاخ الدلالات الجاهزة الناتجة من تأويلات أحادية لنيتشه المركب جداً، والمنفتح خطابه على تأويلات متعددة.
تبدو فكرة الشاعر وصورته ملمحين أساسيين داخل الديوان، يطلان في نصوص متعددة، لكنهما يحضران بقوة في قصيدتي "الشاعر ساعي البريد"، و"الشاعر الطيب والساحر الجوال".
تبدو الصورة الشعرية المركبة في "زحام أحمر"، والبنية الدرامية ذات الطابع الحواري الفلسفي، والشغف المتقد بالشعر ذاته ملامح مركزية في ديوان يونان سعد، الذي يمثل رهاناً حيوياً من رهانات الشعرية المصرية الجديدة.
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض