الحرب الأهلية وإفرازاتها في "المصيدة" لعبد المجيد زراقط
تتعدّد دلالات العنوان في رواية "المَصْيَدة" (دار البيان العربي) للكاتب والأكاديميّ عبد المجيد زراقط، وهي روايته الخامسة بعد "آفاق" و"الهجرة في ليل الرحيل" و"طاحونة الذئاب" و"طريق الشمس".
وإذا كانت "المَصْيَدة"، بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي، هي أداة الصيد، فإنها، في الرواية هي الوسيلة والمكان والحالة، مع فارق أن الطرائد المَصيدة هي من بني البشر الذين أخنت عليهم الحرب، ببعديها الخارجي والداخلي.
هي الحاجز الميليشيوي الذي يخطف ويقتل على الهوية (ص 117)، ومقر "السلطان" العميل الذي يمارس القتل ويرتكب المجازر (ص 154)، وغرفة التعذيب في مقر العملاء (ص 163)، ومركز قائد الميليشيا المحلية (ص 209)، والحالة الميليشيوية العامة التي يتخبّط فيها الوطن (ص 209).
وبذلك، يحيل الاستخدام الروائي للمفردة إلى الحرب، وإلى حالتي العمالة والميليشيا اللتين تمخّضت عنهما تلك الحرب.
تداعيات الحرب
في "المَصيَدة"، يطرح زراقط أسئلة العمالة والوطنية والاستبداد والفساد، على أنواعه، والحرب والاحتلال وغيرها ممّا يتصل بالعالم المرجعي الذي يحيل إليه. وهو يفعل ذلك من خلال رصده تداعيات الحرب، ببعديها الخارجي والداخلي، والتحولات الناجمة عنها، فيتناول اجتياحي 1978 و1982 وما ترتّب عليهما من نتائج مدمّرة، من جهة. ويتناول الحرب الأهلية وما أفرزته من ممارسات ميليشيوية، من جهة ثانية. وكأني به يحاول الربط بين البعدين الخارجي والداخلي للحرب، ليقول إن الاستبداد والعمالة وجهان لعملة واحدة.
وهو يصطنع لروايته خطاباً روائيّاً حديثاً، يفرد هامشاً واسعاً للتجريب الروائي، ويستخدم عدداً كبيراً من الرواة تاركاً لكل شخصية أن تروي شهادتها بنفسها، ويكسر خطّية الزمن، فتتحوّل الشهادات المروية إلى نوع من المرايا المتقابلة. وبذلك، يعكس الخطاب انقسامات الحرب وإطاحتها بمنطق الأمور، ويكون ثمّة تناسب بين الحكاية والخطاب.
يتراوح المكان الروائي بين ضاحية بيروتية وقرية جنوبية. ويتوزع الزمان على زمن القص البالغ طوله خمس سنوات متقطعة، وزمن السرد الذي يقتصر على بضعة أيام هي المسافة الزمنية الفاصلة بين اختفاء نبيل عامل، بطل الرواية، ومغادرته لبنان سرّاً مع أسرته.
من هنا، يكثر الكاتب من استخدام تقنية الاسترجاع ليغطي ذكريات السنوات الخمس، ويستخدم تقنية التزامن ليغطي وقائع الأيام القليلة. وعليه، يقوم السرد على جدليات، زمنية ومكانية وتقنية، من قبيل: الماضي البعيد / الماضي القريب، المدينة / القرية، الوقائع / الذكريات، والتزامن / الاسترجاع.
تمظهرات التجريب
يتمظهر التجريب في "المَصْيَدة" في ثلاثة عناصر روائية. تتمثّل في تعدد الرواة المشاركين، تنوّع العتبات النصية، تذرّر الزمن الروائي، وغيرها.
في العنصر الأول، يسند زراقط مهمة الروي إلى عشرين راوياً شريكاً، هم شخصيات الرواية، بوتيرة وحدة سردية واحدة لسبع عشرة شخصية، ووحدتين اثنتين لشخصيتين اثنتين، وأربع عشرة وحدة لنبيل عامل، بطل الرواية الذي يستأثر بالروي في عشر منها، ويشترك مع آخرين في خمس وحدات من موقع التمهيد للشخصية. وبذلك، يرفع الكاتب بالرواية ما أحاقه الواقع من ظلم بهذه الشخصية، من خلال منحها شرف المحورية، وإسناد مهمة روي العدد الأكبر من الوحدات السردية إليها، وجعل الوحدات الأخرى تتمحور حولها، ذلك أن وجود الشخصيات الأخرى مرهون بتعالقها مع الشخصية المحورية.
في العنصر الثاني المتعلق بالعتبات النصية، يتمظهر التجربيب في تنويع صيغ العناوين المستخدمة؛ فيستخدم الكاتب اسم العلم في اثنتين وعشرين وحدة سردية، واسم الجنس في واحدة، واللقب في أخرى، والجملة في خمس منها.
ويتبين من هذه العتبات أن السرد في ستٍّ من الوحدات السردية جرى في إطار التحقيق الذي يقوم به قائد الميليشيا المحلية، وأنه في ثلاثٍ منها جرى في إطار الشهادة المكتوبة، وأنه في اثنتين منها جرى في إطار ما يُمليه المحقق الميليشيوي على مستشاره المزعوم، وأنه في تسعٍ منها جرى في إطار مهمة الروي. وهكذا، تتعدد وظائف السرد، وتتراوح بين التحقيق والشهادة والإملاء والروي.
وتكون الرواية مجموع إفادات التحقيق وشهادات الشهود وإملاءات المحقق وسرد الرواة مضافة إلى كتابات الدفتر الذي سلّمه بطل الرواية نبيل عامل، قبل هربه السرّي، إلى صديقه الناشر سامي الكاتب، وأوصاه قائلاً: "كتبت، في هذا الدفتر، فصولاً من حكايتي، وكتبت زوجتي كذلك... كثيرون سيسألونك عن نبيل عامل. أضف ما يكتبونه إلى ما في هذا الدفتر من كتابات. واصنع رواية من ذلك كله. انشرها عندما ترى ذلك مناسباً. اطلب من كل منهم أن يكتب ما يعرفه. سمّها "المَصيَدة" (ص 7). وتشكل هذه التسمية نقطة التقاطع الأولى بين الروائي وبطل روايته.
في العنصر الثالث المتعلق بالزمن، يتمظهر التجريب في ما أسمّيه تذرّر الزمن الروائي؛ فالكاتب يكسر الخطية الزمنية، ويعتمد معايير عدة في ترتيب الوحدات السردية المتعاقبة، تتراوح بين السببي والمجاني والفني؛ فربّ وحدة لاحقة تبدأ من حيث تنتهي السابقة، ورب وحدة تقتحم السياق من دون سابق إنذار، ورب وحدة ترد في مكانها لاعتبار فني. وهنا، لا بد من الإشارة إلى براعة واضحة يبديها زراقط في هندسة الرواية فهو يضع كل وحدة في مكانها رغم هذا العدد الكبير من الرواة الذي قلّما نقع عليه في رواية واحدة، ما يدعو إلى الاستنتاج أن عبد المجيد زراقط يثبت قدرته على التجريب، وأن "المصيدة" تشكّل علامة فارقة، برأيي، في مسيرته الروائية. وستكون أداة مناسبة لاصطياد الكثير من القراء.
البناء الروائي
يقوم البناء الروائي على ثنائيتين اثنتين؛ الأولى هي ثنائية المثقف/ كبير العملاء، الواردة في القسم المسترجَع من الرواية، وتعود إلى اجتياح 1982. الثانية هي ثنائية المثقف/ قائد الميليشيا المحلية، الواردة في القسم المتزامن منها، وتعود إلى مرحلة ما بعد الانسحاب الاسرائيلي من بيروت.
وهكذا، نرى أن الطرف الأول في كلّ من الثنائيتين ثابت هو نبيل عالم الناشط الثقافي واليساري السابق، والطرف الثاني متغيّر هو سمعان كبير العملاء في القرية في الثنائية الأولى، من جهة، وأرقش قائد الميليشيا المحلية في المدينة، من جهة ثانية.
أرقش تلميذ نبيل الفاشل القديم في مدرسة القرية، كان قد أحسن إليه واشترى له الكتب وأعاده إلى المدرسة عندما مزق له والده الكتب وأخرجه منها، ينسى الإحسان ويحفظ له أنه شكّك ذات يوم بأهليته الشخصية للزواج ونصح تلميذته بعدم الارتباط به، فيحقد على أستاذه ويتدبر أمر إحراق شقته في الحي البيروتي، ويعتقله ويقوم بالتحقيق معه تحت طائلة قتله ما لم يتعاون مع الميليشيا الحاكمة ويحقق مطالبه في: دفع نسبة مئوية من ثمن الشقة، وتحرير نشرة تثقيفية، وكتابة سيرته الذاتية كما يمليها عليه.
غير أن نبيل الطرف الثابت في الثنائيتين، المثقّف المبدئي، المتمسّك بمبادئه، المنسحب من تنظيمه الحزبي حين بدأ يخلّ بهذه المبادئ، يعاند ويشاكس ويسخر ويناور ويداور، ويتمكن من الإفلات من مصيدة العميل سمعان بالفرار تحت جنح الظلام بعد أن تدبّر أمر إبعاد أسرته إلى بيروت. ويتمكّن من الإفلات من مصيدة الميليشيوي أرقش بخداعه وإيهامه بالموافقة على شروطه، ويتدبّر أمر مغادرته الأراضي اللبنانية سرّاً مع أسرته.
وهكذا، يضطر إلى الهرب في الحالتين، وهو خيار سلبي، يجبره عليه اختلال موازين قوى الطرفين.
الشخصية المحورية
نبض