البندقية 83: كوريا تختنق وفرنسا تصغي إلى اضطرابات المراهقة
قطعنا حتى الآن نحو نصف الطريق ضمن مسابقة مهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 أيلول/سبتمبر). وقد خيّب كبيران شيئاً من التوقّعات، ربما لأن السقف كان مرتفعاً أكثر ممّا ينبغي. الأول هو فرنر هرتزوغ، الذي تحدّثنا عن فيلمه "باكينغ فاستارد" في هذه الصفحات الأسبوع الماضي، والثاني الكوري الجنوبي لي تشانغ دونغ، الغائب منذ نحو عقد قبل أن يعود بـ"حبّ ممكن" (مسابقة)، من إنتاج "نتفليكس". وقد قوبل ظهور اسم منصّة العرض التدفّقي ببعض صيحات الاستهجان في الصالة، قبل أن ينقلب المشهد إلى تصفيق حار عند ظهور اسم المخرج، صاحب المكانة الخاصة لدى السينيفيليين.
لا يكشف الفيلم عن مصدره إلا في نهايته، حين نعرف أنه مستوحى من إحدى حلقات "الوصايا العشر" لكشيشتوف كيشلوفسكي. وربما كان من الأفضل أن نعرف ذلك منذ البداية، إذ إن هذا المفتاح كان يمكن أن يساعد في فهم المقصد ومسارات الفيلم.
نحن أمام زوجين كوريين لا يكاد يجمع بينهما شيء. ومع تقدّم الأحداث التقليلية، يتّسع الشرخ بينهما، إلى أن يتحوّل ما كان دفيناً ومستتراً إلى شيء مرئي، مع اقتراب الحكاية من نهايتها. الشخصية الرئيسية مخرجة تحاول إنجاز فيلم وثائقي عن مصنع تعرّض عمّاله للقمع بعدما حاولوا الإضراب، فتسعى إلى الاقتراب من الزوجين وكسب ثقتهما للحصول على شهادتهما، ولا سيما حول ما حدث للزوج. تتداخل، تباعاً، خيوط الشخصي والعام، والذاكرة الفردية والأزمة الاجتماعية، إلى أن تبلغ ذروتها خلال إقامة في منزل على شاطئ البحر.
الشخصيات، في طبيعة الحال، شديدة "الشرقية" بالمعنى الذي يجعل استدراجها إلى الكلام أو الإفصاح عن مشاعرها أمراً عسيراً. ردود أفعالها مقتصدة، وباطنها محكوم بالكبت، وهذا جزء من النسيج الثقافي الذي يشتغل عليه الفيلم. لكن المشكلة أن ثمة شيئاً لا يقنع تماماً في المعالجة. طريقة حمل المخرجة للكاميرا، مثلاً، لا توحي بأنها مخرجة، فضلاً عن كون الصورة في مجملها عادية كي لا نقول قبيحة، كأننا أمام عمل محدود الموازنة. وربما يمكن ربط بعض هذه الخيارات بتمويل "نتفليكس"، حين تتحول شروط الإنتاج إلى عامل يخفّف الطابع الشخصي الذي كان يميز جزءاً من سينما المؤلف.
مع ذلك، فإن ما يريد الفيلم قوله مهم. التحوّل الذي طرأ على سينما لي تشانغ دونغ بعد غياب دام ثماني سنوات يستحق التوقّف عنده في نصّ أعمق. المشكلة أننا نضطر إلى عبور درب طويلة ومرهقة قبل أن نصل إلى ما يشفي (بعض) الغليل. درب محفوفة بالثرثرة، وتكرار لا ينتهي، ويا ليتها كانت حوارات ذكية أو لمّاحة بما يكفي لتبرير هذا الاستطراد. يضاف إلى ذلك أن الممثّلين يفتقرون إلى الكاريزما التي كانت ستساعد في تضييق المسافة بيننا وبين الشخصيات.

يتناول الفيلم، من بين ما يتناوله، تروما أبناء منتصف العمر، تلك الفئة التي تحمل أعباء اقتصادية واجتماعية ونفسية يصعب تفريغها في مجتمع مثل كوريا الجنوبية، رغم رفاهية العيش الظاهرة. وربما هذا أكثر أفلام لي تشانغ دونغ تأمّلاً في الواقع الاقتصادي والسياسي الكوري المعاصر، انطلاقاً من الصراع الطبقي، والأهم من ذلك ما تتوهّمه طبقة أعلى بأنها تفعله بطبقة أدنى لتنفيس الاحتقان. حتى فعل التصوير نفسه يصبح جزءاً من هذه المعادلة: الكاميرا ليست بريئة والمخرجة لا تقف خارج اللعبة التي تصوّرها. ولعل هذا هو الجانب الأكثر نزاهةً في فيلم يذهب إلى الاعتراف بأن المخرج لا يصوّر لكي ينقذ المنتحر من الانتحار، بل لكي يؤجلّ انتحاره.
***
لطالما انشغلت السينما الفرنسية بالمراهقة، من فرنسوا تروفو إلى جاك دوايون، وها هو سدريك كانّ يواصل هذا الخيط في فيلمه الجديد "15/18" (مسابقة)، مستلهماً عنوانه من المرحلة العمرية التي يتوقّف عندها. يضع الفيلم نفسه، بثقة وتقدير، داخل أروقة مستشفى للأمراض النفسية مخصّص للمراهقين الذين يحتاجون إلى رعاية ومساندة، حيث يتقاطع وهن الأبناء مع مواقف الأهل، المتراوحة بين التضحية والإنكار.
بقدر كبير من الدفء، ومن رغبة تبدو ملحّة، يصوّر سدريك كانّ هذه البيئة من الداخل، ملتقطاً تفاصيلها والشاردة والواردة فيها، ومدركاً أن الاقتراب من الكائن في لحظات ضعفه هو السبيل الأقرب إلى شيء من الحقيقة. لذلك، يحاول الفيلم إسقاط الأحكام المسبقة والمفاهيم البالية التي تحيط عادةً بالاضطرابات النفسية، ليضع الإنسان قبل تشخيصه. يقول الطبيب الذي يؤدّي دوره المخرج لأحد المرضى: "لا يوجد لدينا مجانين هنا، بل أطفال على قدر من الهشاشة يعانون من مشاكل". هذه الجملة تختصر فلسفة الفيلم كلها: مراهقون يقفون عند الإنسان الذي سيصيرونه في العقود المقبلة، في مرحلة يتشكّل فيها الوعي جراء التجربة والاضطراب والعلاقات والظروف.
ومن حيث لا يقصده ربما، يتحوّل الفيلم إلى رد اعتبار للطواقم الطبية التي ترافق هؤلاء المراهقين، وتبذل جهداً يومياً لاستعادة التوازن المفقود. ثمة ضوء يتسلّل دائماً، مصدره ذلك النقر العميق في الشخصيات، ومحاولة الاقتراب منها من دون اختزالها في مرض أو أعراض، ومن دون تحويل الحاجة إلى العلاج إلى ذريعة لاستدرار الشفقة.
ويا له من عالم مصغّر يتحوّل إليه المستشفى: مجتمع صغير يرث من المجتمع الكبير مشاكله وتناقضاته وعيوبه، ويعيد إنتاجها داخل فضاء مغلق. ومع ذلك، يظلّ الأمل ممكناً. فالمراهقون الذين جاؤوا إلى هنا محمّلين ما يعجزون عن مواجهته، يكتشفون حاجتهم بعضهم إلى بعض، إلى التفاعل والاحتكاك والبوح، وإلى مجرد وجود الآخر كي يتمكنوا من مواجهة ذواتهم.
ينتمي الفيلم إلى منطقة حميمة وملتبسة بين الروائي والوثائقي، وهي منطقة لطالما برعت السينما الفرنسية في استكشافها. لكن سدريك كانّ لا يكتفي باستلهام الواقع أو مراقبته، إذ يصنع منه لغة سينمائية ثالثة، لا تستقر تماماً في الوثائقي ولا تنغلق داخل الروائي. ما يصوره كانّ هو الشباب العالق بين ما ورثه وما لم يمتلك بعد القدرة على تصحيحه. فالاضطراب النفسي، كما يقدّمه الفيلم، لا يولد من فراغ، وإنما يتغذّى من الواقع ومن العلاقات ومن الضغوط التي تحيط بالفرد، وهو واقع لا يستثني طبقة اجتماعية دون أخرى. هذا فيلم ذو همّ اجتماعي واضح، لكنه لا يساوم، في المقابل، على أدواته الفنية. وإنما يتعامل مع السينما بلمسات محسوبة، تاركاً للأرواح أن تحمل العبء الأكبر.
أفلام متنوعة، بل متباعدة إلى حد يصعب معه العثور على تيمة واحدة تجمع بينها، هي ما شاهدناه في الأيام الأولى من مهرجان البندقية السينمائي. المستوى العام يتراوح بين المتوسط والجيد والجيد جداً، باستثناء رائعة واحدة هو "داو" للمخرج الروسي إيليا خرزانوفسكي، الذي لم يُعرض بعد أمام الجمهور، وشاهدته "النهار" في عرض خاص، على أن نعود إليه بالتفصيل الخميس المقبل. الحديث هنا، عن المسابقة، إذ إن الأقسام الأخرى تحتاج إلى مقاربة مختلفة، ويصعب إصدار حكم عليها في ضوء العدد الكبير من الأفلام التي تضمّها.
نبض