ملكة نقاط الـ"بولكا" يايوي كوساما... فنانة طليعيّة منحت اللانهاية شكلاً
تركت الفنانة اليابانية خلفها مسيرة حوّلت خلالها الهلوسات والصدمات إلى فن عالمي.
ندخل إحدى غرف يايوي كوساما المكسوّة بالمرايا، وأول ما يختفي هو الجدار. ثم المسافة. ثم يزداد القلق بتلاشي يقيننا بحدود أجسادنا. الضوء يستحيل مئة ضوء، ثم ألف، ثم آلافٍ؛ ويتكرّر انعكاسنا إلى جوارها، أصغر فأصغر وأبعد فأبعد، إلى أن تغدو صورتك، التي اعتدت أن تراها واحدةً متفرّدة، عنصراً آخر في نمط لا يعرف نهاية. أطلقت كوساما على هذه العملية اسم "محو الذات". والفنانة التي كرّست جانباً كبيراً من حياتها لتخيّل ذوبان الذات، قد ذاب جسدها حتى مات.
توفيت كوساما في 14 آب/أغسطس داخل مستشفى في طوكيو، عن 97 عاماً؛ وأُعلن نبأ وفاتها بعد 12 يوماً. وكانت قد واصلت العمل حتى سنوات متأخرة من حياتها، ممدّدةً مسيرة امتدت لأكثر من سبعة عقود، وتنقّلت خلالها بين الرسم والنحت والأداء والسينما والرواية والشعر والأزياء والبيئات الفنية، قبل أن تجعل منها واحدة من أكثر الفنانين شهرةً وتميّزاً في العالم.
من هي يايوي كوساما "ملكة النقاط"؟
باروكة حمراء، يقطينات صفراء، ونقاط سوداء. عناصر بصريّة مألوفة ترتبط بها وننسى معها مدى الإرباك الذي انطوت عليه الفكرة المركزية في فن كوساما. حملت النقطة في فنّها عالماً بأكمله؛ كان يمكن أن تكون خليةً وجسداً، بذرةً وعيناً، كوكباً ونجمةً، أصغر وحدة يمكن تخيّلها، وفي الوقت نفسه، ومن خلال تراكمها، طريقاً نحو ما لا يمكن قياسه. قالت ذات مرة: "أرضنا ليست سوى نقطة منقّطة واحدة بين مليون نجم في الكون. النقاط طريق إلى اللانهاية".

هلوسات الطفولة لغة فنية
وُلدت كوساما في ماتسوموتو عام 1929، ونشأت بالقرب من مشتل النباتات الذي كانت تملكه عائلتها. وقد وصفت لاحقاً هلوسات في طفولتها كانت خلالها الأزهار والنقاط والأنماط تتكاثر في مجال رؤيتها، فتغمر أحياناً محيطها وتغمرها هي نفسها. وهكذا، أخضعت تجاربها الداخلية الجارفة لانضباط يشكّلها عبر التكرار. وما كان يهدّد بالتكاثر بلا سيطرة في الإدراك، أمكن إعادة بنائه، ضربةً بعد ضربة، تحت سلطة اليد.
وصفت كوساما بيتاً عائلياً صعباً وأمّاً معادية لطموحاتها الفنية؛ وخلال الحرب، عملت في مصنع مرتبط بالإنتاج العسكري. وعلى خلاف رغبة عائلتها، درست بعد الحرب في كيوتو فن النيهونغا. منحتها الدراسة التقنية، لكنها لم تمنحها لغةً فنية أرادت أن تسكنها. وبحلول الخمسينيات، كانت تراسل الأميركية جورجيا أوكيف، وتتطلّع إلى الخارج، نحو عالم الفن الأميركي الذي بدا، من اليابان، بعيداً، بل خيالياً.
وصلت إلى الولايات المتحدة عام 1957، واستقرّت في نيويورك في العام التالي. وهناك، وسط المقاييس البطولية والخطاب الإيمائي للتعبيرية التجريدية، أنتجت كوساما شيئاً أكثر هدوءاً، لكنه، عند النظر إليه اليوم، لا يقلّ راديكالية. غطّت أعمالها "شبكات اللانهاية" (Infinity Nets) لوحات هائلة بضربات صغيرة ملتفّة، تكرّرت إلى حدٍّ يكاد يتجاوز قدرة العقل على استيعابها.

عام 1959، أشاد الفنان التشكيلي والناقد الأميركي دونالد جاد بلوحاتها المتقدّمة من حيث المفهوم والتنفيذ في "براتا غاليري"، واصفاً إياها بـ"الرسامة الأصيلة". جاءت شبكات كوساما بمقاييس تضاهي ضخامة لوحات التعبيرية التجريدية، لكنها ابتعدت عن فكرتها عن الفنان الذي يعبّر عن ذاته بعفوية وحركات جسدية جريئة، وهي صورة ارتبطت إلى حدّ بعيد بالفنان الرجل. أما اعتمادها التكرار والتنظيم المتسلسل وامتداد التكوين على كامل سطح اللوحة، فكان يستبق أفكاراً ستصبح لاحقاً في صميم الفن التقليلّي (المينيماليزم).
لم تنتمِ كوساما بوضوح إلى فن البوب أو التقليلية أو السريالية أو الفن النسوي، وإن كان عملها قد لامسها جميعاً. وهذا يفسّر جزئياً لماذا واجه تاريخ الفن صعوبة في تحديد موقعها. كما أنه يعقّد الطرح المتكرر القائل إن فنانين من معاصريها اقتبسوا منها. كانت كوساما نفسها تعتقد أن فنانين من بينهم آندي وارهول وكلايس أولدنبرغ تبنّوا أفكاراً بعد أن شاهدوا أعمالها. أما ما لا جدال فيه فهو غرابة أعملها.
في عام 1965، أنجزت كوساما "غرفة مرايا اللانهاية - حقل القضبان"، حيث وضعت مئات الأشكال المحشوّة والمنقّطة بالأحمر داخل غرفة مكسوّة بالمرايا. وبفضل الانعكاسات، بدا العدد المحدود من الأشكال ممتداً إلى ما لا نهاية. كان العمل نقطة تحوّل، إذ خرج التكرار من اللوحة ليحيط بالزائر، الذي يرى صورته تتكرر بدورها حتى تكاد تفقد فرادتها. وبذلك، أصبح "محو الذات" تجربة يعيشها المشاهد بنفسه.

وفي عام 1966، شاركت كوساما بصورة غير رسمية في بينالي البندقية بعمل "حديقة نرجس"، حيث نشرت ألفاً و500 كرة عاكسة خارج الجناح الإيطالي وعرضتها للبيع بنحو دولارين للواحدة، تحت شعار "نرجسيتك للبيع"، في تعليق ساخر على الغرور وتحويل الفن إلى سلعة.
وفي أواخر الستينيات، انتقل فنها إلى الجسد والشارع؛ نظّمت عروضاً عارية وفعاليات للرسم على الجسد واحتجاجات ضد حرب فيتنام، وأسّست مشاريع في الأزياء وأنتجت فيلم "محو الذات لكوساما". كما جعلت صورتها جزءاً من أعمالها، فظهرت وسط النقاط والمرايا والأشكال المتكررة. وقبل أن تصبح باروكتها الحمراء علامة عالمية بعقود، كانت كوساما قد حوّلت صورتها الشخصية إلى جزء من عالمها الفني.
كيف استعاد تاريخ الفن يايوي كوساما؟
بعد عودتها إلى اليابان عام 1973، انحسرت كوساما عن المشهد الفني الدولي. وفي عام 1977، أقامت طوعاً في مستشفى للأمراض النفسية في طوكيو، مع احتفاظها باستوديو قريب ومواظبتها على العمل بانتظام. كتبت بغزارة، فأنتجت الشعر والرواية، ومن أعمالها "مغارة المحتال في شارع كريستوفر" و"مدمنة الانتحار في مانهاتن".

ثم كانت لها كانت عودة تدريجية إلى الساحة الدولية. ساعد معرض استعادي في نيويورك عام 1989 على إعادة فتح النقاش التاريخي حول أعمالها؛ وفي عام 1993 مثّلت اليابان في بينالي البندقية، وملأت الجناح بعرض مكثّف لمسيرتها تمحور حول بيئة من اليقطين والمرايا. أما المعرض الاستعادي المتنقل الكبير "الحب إلى الأبد: يايوي كوساما 1958–1968" الذي حطّ في متحف مقاطعة لوس أنجليس للفنون، و"موما"، ومركز ووكر للفنون، ومتحف طوكيو للفن المعاصر عامي 1998 و1999، فقد أعاد تثبيت موقعها بقوة داخل تاريخ فن ما بعد الحرب، بدلاً من بقائها هامشاً غريب الأطوار فيه.
اللانهاية في زمن إنستغرام
ثم حوّل الهاتف الذكي "غرفة مرايا اللانهاية" إلى آلة لصناعة الصور. اصطفّ الزوار ساعات ليحصلوا ربما على ثوانٍ معدودة داخل فضاءات كانت كوساما قد ابتكرتها قبل ظهور إنستغرام بعقود. وحطّم معرض "مرايا اللانهاية" في متحف هيرشهورن عام 2017 أرقام حضورٍ قياسية، وولّدت حملة #InfiniteKusama مئات الملايين من مرات الظهور على وسائل التواصل الاجتماعي.
من المغري القول إنّ إنستغرام قد ابتذل كوساما؛ لكنه، في الحقيقة، كشف عن مدى دقة استباقها لثقافة صناعة الناس صوراً لأنفسهم، يضاعفونها ويتداولونها. تمنح غرفة المرايا صورة "سيلفي" مثالية، وتطلق نكتةً فلسفيةً على حساب الـ"سيلفي" نفسه، بينما تدخل لتصوّر ذاتك وتكتشف أنّ ذاتك اختُزلت إلى انعكاس واحد بين انعكاسات لا تُحصى.

وتبعتها الثقافة التجارية بصورة طبيعية، وانتقلت عناصرها الفنية ونقاطها إلى حقائب اليد وواجهات المتاجر؛ وأدخلت شراكاتها مع "لويس فويتون" مفردات كوساما إلى عالم الأزياء الفاخرة على نطاق هائل.
ولا ينبغي لخطاب الحب الكوني الذي طبع مرحلتها المتأخرة أن يمحو كل ما هو إشكالي من سيرتها. فقد احتوت طبعات سابقة من كتاباتها على أوصاف عنصرية ومجرِّدة للسود من إنسانيتهم، وعادت هذه النصوص لتخضع لتدقيق متجدد عام 2023. اعتذرت كوساما علناً، قائلة إنها تأسف بشدة لاستخدامها "لغة جارحة ومسيئة". ويستعصي هذا الفصل على أيّ مصالحة مع اللغة الكونية التي طبعت أعمالها اللاحقة.
قلّة من الفنانين عادوا بهذا الإصرار إلى مسألة ما يعنيه أن يتخيّل إنسان محدود اللانهاية؛ ولعلّ هذا ما يجعل موتها متناغماً مع فنّها. قاربت اللانهاية يدوياً في "شبكات"، وجسدياً في "تراكمات"، وبصرياً في غرف المرايا، وكونياً عبر النقاط، ثم، في أواخر حياتها، من خلال صور انشغلت بالأبدية والموت والحب.
الآن وقد غابت الفنانة الطليعية، تواصل غرفها أداء حيلتها القديمة. يدخلها زائر. تختفي الجدران. يتحوّل جسد واحد إلى مئة، ثم يغدو تحديد مكانه عسيراً، وتحتشد الانعكاسات. أمضت كوساما حياتها تحاول أن تختفي داخل التكرار. وفي النهاية، جعلها التكرار عصيّة على النسيان.
نبض