كريستوف ريفاي الفنّان الذي حاور رفاق غيفارا: أحمل شعلة الستينات وأسلّمها إلى جيل جديد
يعيدنا "الناجون بعد تشي" إلى ستينات القرن العشرين، حقبة ثورية هزّت أميركا اللاتينية قبل أن تنزلق إلى الأنظمة العسكرية، من خلال المزج بين فنّ التحريك والتصوير الحيّ. الوثائقي الذي عُرض في مهرجان كانّ الأخير، ينطلق من لحظة ذات حمولة رمزية: مقتل تشي غيفارا على يد الجيش البوليفي، بمساندة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وهي اللحظة التي يستعيدها الفيلم بتفاصيل دقيقة تكاد تبلغ حدّ التوثيق المخبري. لكنه لا يتوقّف عند النهاية الأسطورية لتشي، وإنما يفتح صفحة أخرى أقل شهرةً، متتبّعاً رحلة 6 مناضلين؛ 3 منهم كانوا من المقربين إلى القائد الأرجنتيني، و3 انضموا إلى المسيرة لاحقاً، حين شقّوا طريقهم عبر الجبال والوديان والسهول، في محاولة للخروج من بوليفيا والوصول إلى تشيلي، حيث كان الرئيس سلفادور أليندي ينتظرهم.
قد لا يحتفظ التاريخ بأسماء هؤلاء كما احتفظ باسم تشي أو كاسترو، ولم تحمل سيرتهم البريق الأسطوري نفسه، لكنهم لم يكونوا أقل إصراراً وصلابةً وإيماناً بالقضية التي آمنوا بها. فقد قطعوا نحو 2400 كيلومتر خلال 5 أشهر، فيما 4 آلاف جندي من الجيش البوليفي يلاحقهم، في رحلة تختصر المواجهة بين الحلم الثوري وقسوة الهزيمة.
أمضى الكاتب والمخرج الفرنسي كريستوف ديمتري ريفاي سنوات في جمع هذه الشهادات وتعقُّب آثار هؤلاء المنسيين (بعضهم رحل بين مرحلة التصوير وعرض الفيلم)، لتتحوّل هذه المغامرة السينمائية إلى محاولة لاستعادة وجه آخر من وجوه الثورة الكوبية (1953 - 1959)، من خلال أصوات الذين عاشوا التجربة وخاضوا تفاصيلها. إنهم شهود مرحلة تاريخية لا تزال أصداؤها تتردّد في وجدان حركات التحرّر والثوار في أنحاء العالم. في الآتي، حوار أجرته "النهار" مع ريفاي.
* كم من الوقت استغرق العمل على هذا الفيلم؟
- 22 عاماً. لو كنت أعلم أن هذا المشروع سيستغرق هذا الوقت كلّه، ربما ما كنتُ بدأتُ به أصلاً! لم أكن أتخيّل أن الرحلة ستكون بهذا الطول. التقيتُ أول ناجٍ، واستغرقت كتابة سيرته الذاتية عامين كاملين. ثم أمضينا ستّ سنوات إضافية في إنجاز رواية مصورة بناءً على قصّته. في البداية، كان هدفي أن أنجز وثائقياً عن أحد هؤلاء الناجين. لكن مع كلّ لقاء كان يقودني شخصٌ إلى آخر، ثم إلى آخر، فوجدتُ نفسي، في حلول عام 2013 — بعدما بدأتُ المشروع في 2004 — أمام امكان الوصول إليهم جميعاً.

لم يعد من الممكن التراجع. واصلنا تتبّع الخيوط والبحث. ثم جاءت مرحلة البحث عن التمويل، وجمع فريق العمل المناسب لإنجاز المشروع. لكن الحياة كثيراً ما تفاجئنا؛ فقد نمر في ظروف قاسية تضطرنا إلى وضع الفيلم جانباً لبعض الوقت. عندما أُسأل: "لماذا توقّفتَ ثلاث سنوات؟"، أرد: "لأنني مررتُ في حالة اكتئاب". في مثل هذه الظروف، يكون همّك الأول استعادة توازنك والنهوض من جديد. بعد ذلك كان عليّ العثور على هؤلاء الرجال مرةً أخرى، والحصول على موافقتهم للإدلاء بشهاداتهم، الخ. وهكذا، خطوة بعد أخرى، امتد المشروع من 2004 حتى 2026.
* مَن الناجي الأول الذي التقيتَ به؟
- بينينيو دارييل أركون راميريز، وهو الناجي الذي كان يقيم في باريس حيث توفّى عام 2016. بعد ذلك، التقيتُ عدداً كبيراً من المؤرخين. وفي النهاية، لم يظهر أيٌّ منهم في الفيلم، لكنني حرصتُ على توجيه الشكر إليهم جميعاً في شارة النهاية، لأن مساهمتهم كانت أساسية في أبحاثي. جاء الفيلم على هيئة رحلة تتقدّم خطوة بعد أخرى. أجريتُ مقابلات مع جميع هؤلاء الباحثين، لكن مع مرور الوقت أدركتُ أن أفضل طريقة للاستفادة من معارفهم ليست بالضرورة من خلال ظهورهم أمام الكاميرا. لذلك فضّلتُ أن أُكثّف خلاصات أبحاثهم ومعارفهم في التعليق الصوتي، وأن أتحمّل أنا مسؤولية سرد القصّة بصوتي. وقد أتاح ذلك تقديم الحكاية بصورة أكثر سلاسة ووضوحاً. في البداية، رفضتُ تماماً الظهور في الفيلم، انطلاقاً من مبدأ "مَن أكون حتى أروي هذه القصّة؟". لكن أحد أصدقائي، وهو مخرج سينمائي، قال لي: "لقد أمضيتَ خمسة عشر عاماً تعمل على هذه الحكاية، من الطبيعي أن يكون لك الحقّ في أن ترويها بصوتك“.
* في الأصل، أنت كاتب!
- يصعب عليّ أن أصف نفسي بهذه الصفة. بالنسبة لي، الكاتب هو شخص بحجم ريجيس دوبريه. أنا أضع هذا اللقب في مقام عالٍ جداً، ولذلك أفضّل أن أقول إنني أحاول الكتابة أو أخوض تجربتي فيها. أنشر كتاباً واحداً مرةً كلّ عشر سنوات، ولهذا لا أشعر أنني أملك الشرعية الكافية لأطلق على نفسي لقب "كاتب".

الأمر يشبه إلى حدّ كبير السينما. اليوم، وللمرة الأولى، أستطيع أن أقول: "نعم، أنا مخرج". اختياري للمشاركة في مهرجان كانّ منحني أخيراً الثقة لأقول ذلك لوالدي ولأخي، اللذين لم يتوقفا يوماً عن دعمي. وكأنني أقول لهما: "ربما بدا لكما أنني كنت مجنوناً حين كرّستُ 22 عاماً لهذا المشروع، لكن ها نحن اليوم في مهرجان كانّ".
* المُشاهد يمكنه أن يلمس بصمتك الأدبية في الفيلم، ولا سيما من خلال التعليق الصوتي.
- هذا لطف منك. ساعدني المونتير كثيراً، كما لعب المنتجون دوراً مهماً في صقل النص وتحسينه. عملتُ أيضاً مع شقيقين تعرّفتُ إليهما بفضل إيزابيل دوبريه، زوجة ريجيس. صحيح أنه لولاي لما وُجد هذا العمل، لكنه أيضاً ما كان ليرى النور لولا الذين عاونوني. أرى نفسي أقرب إلى قائد أوركسترا. كنتُ محوطاً بأشخاص يتمتّعون بموهبة استثنائية، واستطعتُ أن أستخرج أفضل ما لديهم. تحدّوني كثيراً، وأحياناً بقسوة بالغة، لكن هذه الصرامة هي التي دفعتني إلى المضي حتى النهاية.
* ريجيس دوبريه، وهو الفرنسي الوحيد في الفيلم، يحتل مكانة مهمّة فيه. ماذا يمثّل بالنسبة لك؟
- لدوبريه مكانة خاصة عندي. لكن أودّ أن أوضح أن الفيلم ليس في أي حال من الأحوال عملاً تمجيدياً لشخصه. لم يكن هدفي أن أقدّمه في صورة البطل. فهو، كأي إنسان، لديه نقاط قوة ونقاط ضعف، وهذا تحديداً ما يجعله مثيراً للاهتمام. يتحدّث عمّا جرى بقدر كبير من الصراحة والوعي، من دون أن يحاول تمجيد نفسه أو تبرير أفعاله. حضوره إلى مهرجان كانّ لمرافقة الفيلم، يحمل بالنسبة لي قيمة عاطفية كبيرة. والمفارقة أنه في البداية رفض المشاركة رفضاً قاطعاً، وقال لي بوضوح: "لا". كان من آخر الشهود الذين تمكّنتُ من إقناعهم بالمشاركة، مع التذكير بأنه لم يسبق له أن تحدّث أمام الكاميرا عن تجربته في بوليفيا. ذات مرة حاول صحافي أن يستوقفه في الشارع ويسأله عن تلك المرحلة، لكنه رفض الحديث عنها.
بعدما شاهد الفيلم قال لي: "عادت لي الرغبة في الكتابة". عندما أنظر إلى آخر كتابين أو ثلاثة ألّفها، يخطر في بالي أن هناك ربما صلة بين الأمرين. أعاده الفيلم إلى مرحلة من حياته، هي مرحلة أميركا اللاتينية، وهي مرحلة كان يفضّل ألّا يعود إليها أو يتحدّث عنها. لم يكن الأمر يتعلّق بالصدمة وحدها. كان يقول أيضاً: "لقد تحدّثتُ عن هذا الشأن بما فيه الكفاية، أريد أن أمضي إلى أشياء أخرى". وهذا شعور إنساني جداً.

بالنسبة لي، ريجيس دوبريه في قامة فيكتور هوغو. كثر لا يدركون المكانة الفكرية التي يحتلّها، بل إن كثيرين لم يقرأوا له أصلاً. ودائماً ما أقول لهم: "اقرأوه!". عندما كنّا نستعد للمشاركة في كانّ، اقترح عليّ البعض أن أخضع لتدريب إعلامي استعداداً للمقابلات الصحافية. فأجبتهم: "تدريبي الإعلامي هو قراءة كتب دوبريه، وكتب جورج ديدي هوبيرمان عن الذاكرة". إني أتغذّى فكرياً على الفلاسفة والمفكّرين الذين أقرأ لهم، أولئك الذين يدفعونني إلى التفكير بعمق، ويجبرونني على الارتقاء بمستوى تأملي. أدرك جيداً أنني بعيد جداً عن مستواهم، لكنني أحاول دائماً أن أقترب من أفقهم الفكري.
* الفيلم ليس عن تشي غيفارا، وإنما عن الذين بقوا على قيد الحياة بعده. ما الذي جذبك إلى فكرة تصوير ما بعد الثورة، بدلاً من الثورة؟
- المسارات هي التي تثير اهتمامي، أو بالأحرى العمليات التي تتشكّل من خلالها الأحداث. إلى جانب عملي كمخرج، أعمل أيضاً مدرباً للممثّلين. وقد يبدو هذا بعيداً عن سؤالك، لكنه في الواقع مرتبط به ارتباطاً وثيقاً. فما يشدّني ليس النتيجة النهائية للأشياء، ولا الشخصيات الكبرى التي تتصدّر المشهد، ولكن أولئك الذين يعملون في الظلّ، المجهولون الذين يساهمون في صنع حركة التاريخ. وهذا يسمح أيضاً في الابتعاد عن أي رؤية عقائدية أو تبسيطية، ومحاولة فهم التعقيد الحقيقي للمسارات الإنسانية. من بين الناجين الذين يروي الفيلم قصصهم، هناك رجل أصبح لاحقاً معارضاً لكاسترو، رغم أنه كان جزءاً من تلك التجربة الثورية. وأعتقد أن من الممكن الإصغاء إلى وجهتَي النظر معاً. فالذين بقوا في كوبا يقولون عنه: "إنه خائن". أما هو فيرد: "لست أنا مَن خان الثورة، بل الثورة هي التي خانتني". وأرى أن هذا يذكّرنا بما شهدناه خلال ثورات الربيع العربي. فكثيراً ما يكتشف الذين يقودون الثورات، بعد انتصارها، أن الواقع الذي يولد منها يختلف تماماً عن الحلم الذي خرجوا من أجله. وهنا أستحضر عبارة لدوبريه أجدها شديدة الدقّة، إذ يقول: "الثورة، في مرحلة ما، تتحوّل إلى شيء آخر: إلى دولة. وهذا التحوّل يكون في الغالب مؤلماً، ويحمل معه نصيباً من القمع، ولذلك لا يواصل بعض المثاليين السير في هذا المسار الجديد. ومن حق بينينيو أن يقول إن الثورة لم يخنها هو، بل هي التي خانته. وفي النهاية، يمكن تفهّم وجهتَي النظر كلتيهما. لهذا السبب، عندما يسألني أحدهم: "ما رأيك في فيدل كاسترو أو في تشي غيفارا؟". أجيبه: "يتوقّف الأمر على أي فيدل كاسترو. هل نتحدّث عن كاسترو عام 1959؟ أم كاسترو السبعينات؟ أم التسعينات؟ أم الألفية الجديدة؟ أم سنواته الأخيرة؟". فالتاريخ أكثر تعقيداً من حكم واحد. ستلاحظ في الفيلم أنني حاولتُ ألا أخفي شيئاً من واقع الثورة الكوبية. صحيح أن بعض الجوانب تُعرَض بإيجاز، لكنني حرصتُ على إظهار تناقضاتها: نعم، كانت هناك حملات قمع وتصفية للمعارضين، لكن في المقابل أُنشئ نظام للتعليم والرعاية الصحية متاحة للجميع. ويقول لي البعض أحياناً: "لكنهم قتلوا المعارضين". فأجيب: "نعم، لكن انظروا إلى التاريخ، ففي فرنسا، بعد ثورة عام 1789، مارسنا نحن أيضاً العنف الثوري والإرهاب". لا أقول إن هذا أمر جيد، وإنما ألاحظ فقط أن معظم الثورات الكبرى مرت، تاريخياً، بمرحلة من العنف. ولهذا أرى أن من المفيد قراءة فرانز فانون، الذي يطرح فكرة مفادها أن الحرية لا تُمنَح ببساطة لمن حُرموا منها، بل ينبغي انتزاعها. إنها أفكار معقّدة، ولا تزال حتى اليوم تغذّي النقاش. أما أنا، فما زلتُ أراجع اقتناعاتي باستمرار. فإذا قال لي أحدهم جملة تهز هذه الاقتناعات، فلن أرد عليه بالقول "تريث، لقد أمضيتُ 22 عاماً أبحث في هذا الموضوع، وأنا أعرف كلّ شيء"، بل على العكس، أواصل مساءلة نفسي.
* يمزج الفيلم بين المواد الأرشيفية والتحريك والشهادات المعاصرة. كيف أدركتَ أن الشكل الوثائقي التقليدي لن يكون كافياً لسرد هذه القصّة؟
- جاء هذا الإدراك على مراحل. في البداية، كانت هناك المقابلات. وقد وجدتها مؤثّرة إلى درجة استثنائية. عندما استمعتُ إلى شهادات هؤلاء الرجال للمرة الأولى، أدركتُ أنها تحمل قوة هائلة. غير أن التحدي الحقيقي كان أن نجعل المُشاهد يدخل إلى قلب هذه التجربة، ليشعر وكأنه يعيشها بنفسه. عندما يقول أحد هؤلاء "كنّا في الغابة، ثم انتقلنا إلى المدن، ثم عبرنا الصحراء"، فشتّان بين أن تسمع هذه الكلمات، وأن تعيد السير في الطريق نفسه الذي تختزنه ذاكرته. عندها ستكتشف أن الأمكنة نفسها تروي جزءاً من الحكاية. يحضرني هنا قول للكاتبة الإنكليزية فيرجينيا وولف، وهي تصارح شقيقتها الرسامة بأن الصورة قد تعبّر أحياناً عن أشياء تفوق ما تستطيع الكلمات التعبير عنه. وهذا بالضبط ما حاولنا تحقيقه. لم يكن الأمر مجرد عرض للمناظر الطبيعية، بل جعلها تتحوّل إلى شخصيات حيّة داخل السرد. عندها قلنا "لعلّنا نحتاج إلى التحريك". وكان منتجو الفيلم على قدر من الجرأة، إذ تمكّنوا من توفير المال اللازم لإنجاز هذا الشق من العمل.
* اليوم، كثيراً ما تُختزَل الشخصيات الثورية في رموز شعبية وصور تُطبَع على القمصان. في رأيك، ما الذي لا يزال تشي غيفارا يمثّله للأجيال الشابة، بعيداً من صورته كأيقونة وماذا يمثّل لك أنتَ شخصياً؟
- هذا هاجس سكنني كثيراً، الإجابة عنه تحتاج إلى وقت أطول ممّا تسمح به هذه المقابلة، لكن سأحاول اختصارها.

أعتقد أن أبناء جيلي، حتى وإن لم يظهروا اليوم في الصورة، لا يزالون يعرفون مَن هو تشي غيفارا. فوالدي، على سبيل المثل، يعرف جيداً مَن يكون. أما الشباب الذين يبلغون اليوم العشرينات من العمر، فلستُ واثقاً من أنهم يعرفون قصّته جيداً. بالنسبة إلى بعضهم، ربما أصبح مجرد صورة من بين صور أخرى، أو أيقونة من أيقونات الثقافة الشعبية. وأظن أن دوبريه سيقدّم جواباً أعمق، لأنه كرّس جزءاً وافراً من حياته لدراسة مسألة الأساطير والرموز المؤسّسة. فالأساطير، في بعض الأحيان، ضرورية لكي تتمكّن المجتمعات من المضي قدماً.
أشعر أحياناً أنني أنتمي إلى جيل ضائع، دفع ثمن مرحلة انتقالية. فالذي سبقنا كان جيلاً منخرطاً في القضايا الكبرى، والجيل الجديد بدأ هو الآخر يستعيد أشكالاً مختلفة من الالتزام. أما نحن، فأشعر أحياناً بأننا كنّا أقل إيماناً بقدرتنا على تغيير الأشياء. وهذا النقص في القناعة يولّد داخلي إحساساً بالذنب، فأشعر بشيء من الجبن. مع هذا الفيلم، ينتابني إحساس بأنني أصلح شيئاً ما، أو أوصل ما انقطع. أقول لنفسي إنني أحمل شعلة ستينات القرن الماضي وسبعيناته، وأسلّمها إلى جيل جديد. وإذا كان لهذا الفيلم قدرة على أداء هذا الدور، فسأشعر أن له معنى.
مثل كثيرين، كان اهتمامي الأول بتشي غيفارا نابعاً من تلك الهالة الأسطورية التي تحيط به: قائد يموت في عز شبابه، وفي قلب المعركة، إلى جانب الرجال الذين قادهم. صورة رمزية في منتهى القوة. لكن ما إن نتجاوز هذه الصورة الرمزية حتى تصبح الحكاية أكثر تعقيداً. والمفارقة أنني دخلتُ هذه الحكاية عبر غيفارا، لكنه يختفي من الفيلم بعد الدقيقة السابعة. ومذذاك، أواصل الرحلة مع الذين بقوا أحياء بعده. بالنسبة لي، تكمن القيمة الحقيقية لغيفارا في أنه يفتح أبواباً للتفكير تتجاوز شخصه، طارحاً أسئلة أكبر من سيرته. فمثلاً، هو اختار الكفاح المسلّح، بينما اختار سلفادور أليندي طريق الديموقراطية. ومع ذلك، أُطيح أليندي ودُفع إلى الانتحار. فأي الطريقين هو الصحيح؟ لا أملك جواباً عن هذا السؤال.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
"القرار السياسيّ اتّخذ بوضوح في مجلس الوزراء لحصر السلاح، والنّص الدستوريّ يُخضع القوّات المسلحة اللبنانية لسلطة مجلس الوزراء، وبذلك أصبح أيّ تنفيذٍ لتفتيش منازل أو أيّ إجراء آخر ضمن سقف القانون"...
نبض