قصائد بصرية من أستراليا الأصلية تحط في سويسرا وفرنسا
يعود فن سكان أستراليا الأصليين المعروف بالفن الأبوريجيني إلى الواجهة مع افتتاح معرض جديد في "مؤسسة أوبال" في منطقة الفاليه مونتانا بسويسرا مخصص لأعمال الفنانة الرائدة إيميلي غواري (1914-1996). شُيدت هذه المؤسسة الفريدة من نوعها عام 2013 في قلب جبال الألب بالقرب من بحيرة وهي مخصصة بأكملها للتعريف بالفن الأبوريجيني المتوارث منذ آلاف السنين.
ليس هذا أول معرض يقام للفنانة إيميلي غواري في أوروبا، ففي العام الماضي أقام لها متحف تيت مودرن في لندن معرضاً استعادياً شاملاً ضم أكثر من ثمانين لوحة، كما أن أعمالها مثلت أستراليا في بينالي البندقية عام 1997.

ولدت الفنانة في شمال أستراليا، موطن السكان الأصليين الذين سماهم المستعمرون الإنكليز بالأبوريجين. بداية تعرفت على تقنيات الرسم في تجمع محلي يُعرف باسم أوتوبيا وعكست في رسومها المنفذة على الأقمشة القيم الروحية والجمالية لتراث فني يختزل علاقة خاصة بالطبيعة. هذه الطبيعة التي عرفتها عن قرب بعد عملها لسنوات طويلة في مزرعة أبوريجينية ونهلت من تقاليدها الشفهية والفنية القديمة ولا سيما ما يتعلق بأناشيد النساء أثناء الاحتفالات والمراسم الدينية.
في البداية، كما أشرنا، كانت أعمالها منفذة على الأقمشة التقليدية لكنها تخلت عنها لتتفرغ للرسم بالأكريليك على الطريقة الغربية منذ نهاية الثمانينيات وحققت نجاحاً كبيراً فأُقيم معرضها الفردي الأول نهاية التسعينيات من القرن الماضي كما أقام لها متحف إيميلي الأسترالي معرضاً عام 2013.

تشهد الأعمال المعروضة اليوم على تنوع أساليبها وارتباطها الوثيق بأرضها وشعبها الذي عانى الاستعمار الأوروبي. تطالعنا لوحات تجريدية غنائية متفاوتة الأحجام من بينها لوحات قائمة على مبدأ التنقيط فتبدو وكأنها تضم عشرات النقاط الصغيرة وبألوان متنوعة تعبر من خلالها الفنانة عن تواصل الأجداد مع الأجيال الشابة.
من جبال سويسرا إلى مدينة لوديف في الجنوب الفرنسي حيث يتواصل في متحف الفنون والآثار معرض مدهش بعنوان "الفن الأبوريجيني، وقت للحلم" يكشف عن منظومة ثقافية متكاملة ونموذج للحياة يرى أن البشر لا يملكون الأرض بل يعيشون في انسجام ووئام معها.

الأعمال المعروضة أنجزت بين عام 1990 وعام 2020 وتتميز بألوانها الحادة والمتنوعة حيث الوردي والأحمر والأصفر والبني والأخضر تحيط بها خطوط هندسية تذكر بنتاج فنانين تجريديين كبار قامت أعمالهم على الخداع البصري فتتلاقى الخطوط الأفقية مع المربعات والدوائر كما في نتاج الفنانة غلوريا بيتيار (1942-2021) التي نتعرف على أعمالها أيضاً في عدد من المتاحف الفرنسية والعالمية، كما أن دار "هيرميس" العريقة للأزياء اختارت رسوم الفنانة عام 2009 كزخارف لعدد من منتوجاتها ومنها الأوشحة.
أما الفنان روني جامبيتجينبا (1943-2023) فقد فرض نفسه بأسلوبه الخاص حيث الخطوط الهندسية تتجسد كإيقاعات موسيقية. تذكرنا بعض الأعمال المعروضة بأعمال فنانين غربيين كبار من رموز الحداثة ومنهم الفنان المجري فيكتور فازريللي (1906-1997)، أحد مؤسسي فن "الأوب آرت" أو الفن البصري القائم على التجريد الهندسي.

في مؤسسة أوبال في سويسرا، وفي متحف مدينة لوديف الفرنسية، يتعرف الزوار على أعمال فنية وشهادات إنسانية حية آتية من ثقافة موغلة في القدم وعلى ارتباط وثيق بالأرض. فالسكان الأصليون في أستراليا كانوا على التصاق بالأمكنة التي يعيشون فيها، يعاملونها بحب واحترام ويعرفون أسرارها. الأعمال المعروضة أشبه بقصائد بصرية مُغناة تجمع بين البشر والأرض وتؤكد على حضور المرأة الفنانة كحارسة للذاكرة الأصلية البكر.
نبض