"على خشبة الحياة" لرفيق علي أحمد... من يحمر الشقيف إلى حكاية وطن

ثقافة 02-07-2026 | 09:49

"على خشبة الحياة" لرفيق علي أحمد... من يحمر الشقيف إلى حكاية وطن

الإنجاز الأهم الذي حققه رفيق علي أحمد لم يكن الجوائز ولا الأدوار ولا التصفيق، بل قدرته على إنقاذ عالم كامل من النسيان.
"على خشبة الحياة" لرفيق علي أحمد... من يحمر الشقيف إلى حكاية وطن
غلاف الكتاب.
Smaller Bigger

في الأزمنة التي تتكفّل فيها الحروب بمحو الأمكنة، تصبح استعادة الحكاية شكلاً من أشكال الإنقاذ. وبينما تعود قرى جنوب لبنان إلى مواجهة القصف والخوف والتهجير، يفتح رفيق علي أحمد في كتابه "على خشبة الحياة" باباً واسعاً على ذلك الجنوب نفسه، لا كما ترويه نشرات الأخبار، بل كما عاشه طفلٌ كان يلاحق ظلّ الزيتونات، ويصغي إلى حفيف السنابل، ويحلم في أن يصير ممثلاً في قرية كانت ترى في المسرح ضرباً من المغامرة. هكذا لا تبدو السيرة الصادرة عن دار نوفل – هاشيت أنطوان مجرد رحلة فنان إلى المجد، بل رحلة مكان كامل إلى الذاكرة، ورحلة إنسان حمل قريته معه إلى كل خشبة وقف عليها.

يكتب رفيق علي أحمد سيرته كما يتحدث على المسرح؛ بلا حواجز كثيرة بينه وبين القارئ. لا يتقمص دور البطل الذي صعد إلى القمة، بل يعود إلى البدايات الأولى، إلى قرية يحمر الشقيف في الجنوب اللبناني، حيث كانت الأرض مدرسة أولى. هناك لا يكتفي الكاتب باستعادة طفولته، بل يعيد بناء ذاكرة قرية كاملة: ذاكرة الفلاحين والرعاة ومزارعي التبغ والنساء اللواتي حملن أعباء الحياة بصمت، والناس الذين تعلم منهم أكثر مما تعلم من الكتب لاحقاً.

وإذا كانت معظم السير الذاتية تبدأ من الفرد، فإن رفيق علي أحمد يبدأ من المكان. فالقرية هنا ليست خلفية للأحداث، بل الشخصية الأساسية التي تصنع الفنان. من تلال الشقيف، ومن مشهد جبل الشيخ والليطاني وفلسطين المحتلة البعيدة والقريبة في آن، يتشكل وعي الطفل الذي سيتحول لاحقاً إلى مسرحي وحكواتي. ولهذا تبدو الصفحات الأولى من الكتاب أقرب إلى مرثية جميلة للريف اللبناني الذي أخذته الحروب والهجرة والتبدلات الاجتماعية بعيداً عن صورته الأولى.

 

رفيق علي أحمد
رفيق علي أحمد

 

 

وما يجعل قراءة هذه الصفحات أكثر إيلاماً اليوم أن القرى نفسها التي يكتب عنها المؤلف تعيش مجدداً تحت وطأة القصف والخوف والتهجير؛ فحين يتحدث عن القرى الحدودية وقلق أهل الجنوب أمام المستعمرات الإسرائيلية وأضواء "مسكاف عام" التي كانت تلمع في الجهة المقابلة، لا يبدو كمن يستعيد الماضي، بل كمن يوثّق زمناً لم ينتهِ بعد؛ وكأن الجنوب الذي أنجب حكاياته لا يزال عالقاً في الحلقة نفسها من الانتظار والتهديد والفقدان. هنا تكتسب السيرة بعداً يتجاوز الشخصي، لتصبح شهادة على جغرافيا لبنانية لم تنجح في التحرر من أشباح الحرب.

لكن الكتاب ليس كتاب حنين فقط، بل حكاية صعود شاق نحو الفن. من القرية إلى بيروت، ومن حلم التمثيل الذي بدا لكثيرين نوعاً من الجنون إلى الوقوف على أهم المسارح العربية. يروي رفيق علي أحمد تفاصيل وصوله إلى العاصمة في زمن الحرب، حين وجد بيروت مختلفة عن المدينة التي حلم فيها؛ فالجنوبي الذي غادر أرضه لم يجد نفسه فوراً في المدينة، بل احتاج إلى سنوات طويلة كي يصنع مكانه فيها.

 

على خشبة المسرح
على خشبة المسرح

 

ومن أجمل ما في الكتاب أنه لا يفصل بين تكوينه الفني وتكوينه الإنساني. فالجامعة اللبنانية، ولقاؤه بروجيه عساف ويعقوب الشدراوي، وتجربة "مسرح الحكواتي"، ليست محطات مهنية فحسب، بل محطات في بناء وعيه؛ ومن خلالها نفهم كيف تحول ابن القرية إلى واحد من أهم وجوه المسرح اللبناني المعاصر، وكيف وجد لغته الخاصة التي تمزج بين الحكواتي الشعبي والممثل المحترف، وبين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية.

يمنح الكتاب مساحة واسعة لعلاقته بالمسرح بوصفه فعلاً من أفعال المقاومة الثقافية لا مجرد مهنة؛ فكل تجربة من تجاربه المسرحية تبدو محاولة لفهم لبنان أو ترميمه. من "أيام الخيام" إلى "الجرس" و"قطع وصل" و"جبران والنبي"، لا يتعامل مع المسرح كمنصة للترفيه، بل كمساحة لمساءلة الحرب والطائفية والهوية والانقسام. لذلك، فإن القارئ لا يخرج بانطباع أنه يقرأ سيرة ممثل فحسب، بل سيرة شاهد عاش تحولات لبنان من الداخل وحاول أن يحولها إلى فن.

وتبقى صفحات لقائه بالراحل منصور الرحباني من أكثر صفحات الكتاب دفئاً وإضاءة. فهي تكشف جانباً من الكواليس الفنية التي صنعت بعض أبرز الأعمال المسرحية اللبنانية: "آخر أيام سقراط"، وتظهر كيف انتقل رفيق علي أحمد من موقع المعجب إلى موقع الشريك في تجربة رحبانية كبيرة. لكن أهمية هذه الصفحات لا تكمن في الأسماء اللامعة التي تمر فيها، بل في إظهار الوجه الآخر للفن: التعب، والشك، والخوف من الفشل، والعراك الفكري الذي يسبق ولادة الأعمال الكبرى.

على المستوى الأدبي، لا يطمح الكتاب إلى بناء سيرة كلاسيكية محكمة، بل يختار شكل الحكايات المتجاورة. وهذا ما يمنحه عفوية محببة، وإن كان يجعله أحياناً أقرب إلى التدفق الشفهي منه إلى البناء السردي الصارم. لكن هذه السمة تحديداً تنسجم مع شخصية رفيق علي أحمد الحكواتية. فالقارئ يسمع الصوت أكثر مما يقرأ الكلمات، ويرى الممثل واقفاً على الخشبة وهو يروي حياته كما لو أنها عرض جديد.

بعد هذا العبور الطويل بين القرية والمسرح، لا تكمن قيمة "على خشبة الحياة" في كونه يوثق مسيرة فنان نجح ووصل إلى الشهرة، بل في أنه يروي كيف تحوّلت تجربة فردية إلى ذاكرة جماعية، وكيف استطاع ابن قرية جنوبية أن يجعل من ناسها وأمكنتها مادة للفن والحكاية. وبين صفحاته يكتشف القارئ أن الإنجاز الأهم الذي حققه رفيق علي أحمد لم يكن الجوائز ولا الأدوار ولا التصفيق، بل قدرته على إنقاذ عالم كامل من النسيان.

ولعل هذا هو المعنى الأعمق للكتاب اليوم: فالأمكنة قد تتعرض للهدم، والبيوت قد تغيب، لكن الحكايات الصادقة تظل قادرة على النجاة. الحروب تترك وراءها الركام، أما الفن فيترك وراءه الذاكرة.

الأكثر قراءة

لبنان 7/1/2026 5:15:00 AM
يرفض قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل التمييز بين ضابط وآخر، إذ يعملون كلهم تحت مظلة القيادة ولا يُسمح لأي جهة بالتدخل في مهمة أي ضابط.
فن ومشاهير 6/28/2026 12:12:00 PM
بالتوازي مع معايدة الملكة رانيا، هنأ الديوان الملكي الهاشمي الأمير الحسين بعيد ميلاده الثاني والثلاثين.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
فن ومشاهير 6/29/2026 11:13:00 AM
"لم أتمكن من تجاوز هذه الانتكاسة... نمتُ 11 ساعة مجدداً".