ناديا تويني... لبنان جغرافيا لروح مُتعَبة

ثقافة 19-06-2026 | 10:36

ناديا تويني... لبنان جغرافيا لروح مُتعَبة

قراءة ناديا تويني اليوم دخول إلى أحد أكثر مختبرات الهوية اللبنانية الحديثة حساسية وعمقاً.
ناديا تويني... لبنان جغرافيا لروح مُتعَبة
الشاعرة اللبنانية ناديا تويني.
Smaller Bigger

ثمّة كتّاب يُصنَّفون بحسب اللغة أو الحقبة أو الجنس الأدبي. ناديا تويني تُفلت من هذه التصنيفات الحادّة. هي شاعرة لبنانية تنتمي إلى ذلك الجيل الذي كان لبنان بالنسبة إليه لغزاً وجودياً، ووعداً مكسوراً، وجسداً محبوباً ومثخناً بالجراح. المكان عندها أكثر من عنصر زخرفي؛ فالبحر والجبل وبيروت والقرى والحجارة والحدائق والأطلال والأموات جميعها تؤلّف جغرافيا داخلية. ويغدو لبنان في آنٍ واحد وطناً وضريحاً وحبيبةً وطفلاً وأسطورةً وجرحاً مفتوحاً.

إنها واحد من أبرز الأصوات الشعرية الفرنكوفونية في لبنان خلال القرن العشرين. ليس لأنها اكتفت بـ"إنشاد" وطنها، وفق العبارة السهلة والمكرّرة، ولكن لأنها منحت التجربة اللبنانية شكلاً شعرياً نادراً: كثيفاً، مضيئاً، مكلوماً، تعبره وقائع التاريخ من دون أن يختزلها الشاهد أو التوثيق. فقد ابتكرت لغة يلتقي فيها الحداد الشخصي بالكارثة الجماعية، ويتماهى فيها حب الوطن مع الوعي الحادّ بإمكان زواله.

 

من هي ناديا تويني؟

مسيرتها معروفة، لكنها تستحق أن تُقرأ مرة تلو الأخرى. هي ابنة ديبلوماسي ورجل أدب لبناني وأم فرنسية، وقد نشأت ناديا حمادة في فضاء ثقافي مزدوج. ثم تزوجت غسان تويني، عميد الصحافة والشخصية المحورية في الحياة السياسية اللبنانية. وواجهت في وقت مبكر مأساة فقدان ابنتها نايلة التي توفيت بالسرطان في السابعة من عمرها. كما عاشت هي نفسها سنوات طويلة مع المرض، وكانت تقول إنّ السرطان الذي ولدت في ظلّ برجه طبع حياتها. ولم يكن هذا القرب من الفقدان مجرد خلفية سيرية، وإنما شكّل أحد المراكز العميقة التي انبثقت منها أعمالها.

 

الشاعرة اللبنانية ناديا تويني. (أرشيف النهار)
الشاعرة اللبنانية ناديا تويني. (أرشيف النهار)

 

صدر ديوانها الأول "النصوص الشقراء" عام 1963، وولد من رحم هذا الجرح. فالعنوان نفسه يوحي بضوء هش، يكاد يكون طفولياً، لكنه مهدَّد منذ البداية. والشقرة فيه أثر وبقاء وهالة لكائن غاب. لا تتحدث ناديا تويني عن الموت بطريقة تجريدية؛ إنها تكتب من موقع ما بعد الفاجعة، من ذلك الموضع الذي تحاول فيه اللغة أن تحتفظ بما لم يعد ممكناً إنقاذه. وهكذا تتحول القصيدة إلى فعل حفظ وصون، لا لتواسي، بل لتمنع المحو الكامل.

في "حزيران والكافرات" ثم "قصائد من أجل قصة"، تتسع دائرة الألم. الجرح الفردي ينفتح على سؤال أشمل: كيف نسكن وطناً تاريخه وحاضره على وشك الانهيار؟ وكيف يمكن تسمية أرض قد تتحول فيها الانتماءات الدينية واللغوية والسياسية والعائلية إلى مصادر غنى أو إلى خطوط تصدّع؟ كتبت ناديا تويني لبنان وقد رأت فيه تعدّدية قلقة، وجمالاً متناقضاً، وفضاءً للتعايش والعنف.

 

لبنان الحب والحرب

لبنان عندها ليس رمزاً ثابتاً أو شعاراً جامداً؛ ليس بطاقة بريدية متوسطية، ولا مرثية وطنية خالصة. إنّه مادة متحركة ومتغيرة. وفي "لبنان: عشرون قصيدة من أجل حب" الصادر عام 1979، شكّل الوطن موضوع إعلان حبّ يعرف مسبقاً أن حبّ لبنان يعني حبّ ما يمكن فقدانه. فالجبل ذاكرة عمودية، والبحر أفق للمنفى وحدّ فاصل بين الانتماء والرحيل، أما بيروت فكائن عصبي يتكثّف فيه الوهج والحداثة والخوف والدمار.

تُعدّ هذه الجغرافيا العاطفية إحدى أبرز نقاط قوة ناديا تويني. فقليل من الكتّاب اللبنانيين استطاعوا أن يجعلوا القارئ يشعر بهذه الحدّة بأنّ الوطن أقلّ شبهاً بمساحة إدارية وأكثر شبهاً بتجربة حسّية وأخلاقية. الألوان والفصول والأشجار والقرى تتآلف في نصوصها لتشكّل ما يشبه أطلساً للمشاعر. وقد يتبادر إلى الذهن أحياناً سان جون بيرس من حيث اتساع النفس الشعري، أو جورج شحادة من حيث الغرابة المضيئة، أو أندريه شديد من حيث التوتر بين الشرق والذاكرة والكونية. لكن ناديا تويني لا تذوب في أيّ من هذه الأسماء؛ إذ تنبع فرادتها من مزيج الحماسة واليقظة، والغنائية والاستشعار المأسوي.

مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، اكتسبت هذه الرؤية الشعرية ثقلاً جديداً. في "محفوظات عاطفية لحرب في لبنان" الصادر عام 1982، قبل عام واحد من وفاتها، كتبت ناديا تويني من داخل وطن بدأ التشوّه يفتك به. والعنوان هنا بالغ الأهمية، إذ تُدرك ناديا الحرب من خلال آثارها على الحساسية الإنسانية، وعلى البيوت والإيماءات والذاكرة والأجساد والأصوات. وهي تفهم أنّ الكارثة لا تدمّر الأبنية فقط، وإنما تضرب الكلمات والروابط والصور التي كوّنها الناس عن أنفسهم.

ومع ذلك، فهي ليست "شاعرة حرب" بالمعنى التوثيقي للكلمة. إنها تنتمي إلى حقيقة شعرية تحاول إظهار الكيفية التي تغيّر بها الحرب إدراك العالم. ففي أشعارها ومقالاتها يختلّ الواقع، ويصبح الجمال موضع شك لأنه قابل للاختفاء، كما يغدو المشهد الطبيعي هشاً، ويدخل الوطن منطقة يتحدّث فيها الحب والموت باللغة نفسها.

يجب أيضاً قراءة ناديا تويني بوصفها امرأة أدب في لبنان القرن العشرين، في مجتمع هيمنت على بنيته السياسية والإعلامية والفكرية مؤسسات ودوائر يغلب عليها الطابع الذكوري. كانت ناديا وعياً أدبياً مستقلّاً وصوتاً فرض حريته عبر الشعر والصحافة والحضور العام. وقد أتاحت لها مكانتها الاجتماعية الوصول إلى فضاءات السلطة الثقافية، لكنها لم تختزل نفسها فيها، محوّلةً في المقابل هذا الموقع إلى خطاب وإلى كلمة. وجعلت من هشاشة النفس الإنسانية شكلاً من أشكال السلطة.

ثمة روحانية خافتة وغير عقائدية في أعمالها. فالمقدّس حاضر في الأرض، وفي الطفلة الراحلة، وفي بقاء الجمال رغم كلّ شيء. وهذه الروحانية لا تقدّم عزاءً سهلاً، وإنّما تتموضع داخل أسئلة ملحّة: ماذا يبقى عندما يعصف التاريخ بالبيوت؟ وعندما ينهش المرض الجسد؟ وعندما يدمّر الموت الطفولة؟ وإجابة ناديا تويني تكمن في القصيدة نفسها، وفي فعل الكتابة المتواصل.

إنّ قراءة ناديا تويني اليوم دخول إلى أحد أكثر مختبرات الهوية اللبنانية الحديثة حساسية وعمقاً. وتذكّرنا أعمالها بأنّ الأدب لا ينقذ البلدان من الحروب، لكنه قد ينقذ شيئاً من حقيقتها. فهو، وإن لم يُعِد بناء البيوت المدمّرة، يحفظ أثر ما كانت تعنيه. ولا يبعث الموتى من جديد، لكنه يرفض أن يختفوا تماماً. عند ناديا تويني، تتّخذ القصيدة لنفسها مكاناً هشّاً يظلّ فيه لبنان، رغم كلّ شيء، محتفظاً بصوته.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 6/18/2026 6:10:00 AM
يعتبر "الجنرال" أن إخفاء هويّته يحرّره تماماً من الضغوط الاجتماعية والروابط العشائرية والمجاملات السياسية.
شمال إفريقيا 6/16/2026 11:26:00 PM
لغز "الأتوبيس الأسود" في القاهرة ينتهي.. والداخلية تكشف التفاصيل
لبنان 6/18/2026 5:05:00 PM
اعتمد "حزب الله" على مسيّرات متفجّرة تعمل بالألياف الضوئية في مهاجمة قوات ومواقع إسرائيلية، وقال مسؤولون فيه إنها تُصنّع في لبنان.
لبنان 6/18/2026 8:05:00 PM

الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة على فرنجية وقماطي وشبكة مالية مرتبطة بـ"حزب الله" في لبنان وسوريا والعراق وعُمان