المنفى كحالة وجودية في لوحات سيروان باران

ثقافة 19-06-2026 | 10:03

المنفى كحالة وجودية في لوحات سيروان باران

يحوّل الفنان العراقي ذاكرة الحروب والنزوح والعنف إلى لوحات تستكشف الجسد المنهك والمنفى.
المنفى كحالة وجودية في لوحات سيروان باران
من مجموعة "رحلة إلى المجهول". (سيروان باران)
Smaller Bigger

في شارع الحمرا الذي عبره شعراء ومنفيون وصحافيون ومسرحيون عرب، يقيم الفنان العراقي سيروان باران كمن يعيش في محطة لا تصلح للعودة ولا تمنح وعداً بالاستقرار. حوله لوحات وأجساد ووجوه وجنود وكلاب وكائنات ثقيلة، كأنّ الحرب أفلتت من يوميات العراق ولحقت به إلى بيروت، واستقرّت أخيراً في عناصر لوحاته.

ولد باران في بغداد عام 1968، في بلد صار القرن العشرون فيه سلسلةً متداخلة من الحروب والانقلابات والحصار والغزو والانهيار. هوذا الإطار العميق الذي تشكّلت داخله مخيّلته البصرية. بابل، في خيال فنان عراقي معاصر، تطرح سؤال انهيار المدن والعلاقة بين المجد القديم والخراب الحديث.

 

من مجموعة “رحلة إلى المجهول“. (سيروان باران)
من مجموعة “رحلة إلى المجهول“. (سيروان باران)

 

عاش باران داخل بنية الحرب، ولم يقف متفرّجاً عليها من مسافة آمنة. رأى كيف يتحوّل الإنسان إلى رقم، والجسد إلى أداة، والوجه إلى قناع طاعة. كان عليه أن ينتج صورة البطولة، صورة الجندي المنتصر، صورة القائد الصلب، صورة الدولة التي لا ترتجف. غير أنّه أنتج نقيض الوهم ونشوته: تعب، خوف، عبث، انتظار، وجوه بلا ملامح، عيون مطفأة، وأجساد متراصّة ومحاصرة داخل أنسجة أكبر منها.

 

الجسد أرشيفٌ للعنف

الفكرة المركزية في تجربته لا تكمن في أنه يرسم الحرب. كثيرون رسموها، من غويا إلى أوتو ديكس وأنسلم كيفر. الحرب عنده تجربة تعبر داخل الإنسان ثم تتركه حياً على نحو ناقص. سِروان باران لا يرسم الحرب - الحدث، وإنما الإنسان بعد أن تعبر الحرب داخله. قسوة أعماله تتجلّى في ما يتبقّى من الكائن بعد أن يفقد القدرة على استجماع أفكاره لتفسير ما جرى له.

تتكرّر الأجساد المنهكة في أعماله؛ والجسد عنده أرشيف الحرب. كلّ شيء محفوظ في كتفٍ هابطٍ ورأسٍ منحنٍ، وفي يدٍ فقدت وظيفتها وقدمٍ عاجزة. إنّه جسد نفسي وسياسي، لا تشريحي فقط؛ جسدٌ تعلّم الخوف، وتدرّب على الطاعة، وراكم في داخله ذاكرة مشوّشة. بهذا المعنى، يقف باران في منطقة وسطى بين الرسم الأكاديمي والرؤية الكابوسية، وبين الانضباط التشكيلي والانفجار الداخلي.

 

من مجموعة “رحلة إلى المجهول“. (سيروان باران)
من مجموعة “رحلة إلى المجهول“. (سيروان باران)

 

والصمت في لوحات باران عنصرٌ أساسيٌّ. وجوهه لا تخطب ولا تستغيث؛ تنظر أو لا تنظر، تحضر أو تنسحب، لكنها نادراً ما تمنح المشاهد راحة التعاطف السهل. كأنّ الفنان يرفض تحويل الألم إلى مادة عاطفية استهلاكية. هو لا يطلب منّا الشفقة، وإنّما الشهادة. المشاهد لأعماله لا يكون متفرّجاً بريئاً. إنّه يدخل إلى مساحة مساءلة: ماذا نفعل أمام صور العنف حين لا تعود الأخبار قادرة على إيقاظنا؟ كيف ننظر إلى الجسد المتعب من دون أن نحوله إلى صورة أخرى في أرشيف الكوارث؟

 

المنفى حالة وجودية

النزوح حاضر في أعماله، والاقتلاع عنده حالة داخلية أكثر من كونه موضوعاً خارجياً. الشخصيات فقدت مكانها قبل أن تفقد أرضها. تقف في فضاءات غير محدّدة، بلا بيت واضح، بلا أفق، بلا علامة استقرار. إنّها كائنات منزاحة داخل اللوحة نفسها. حتى حين تكون ثابتة، نشعر أنّها مطرودة من المعنى. إنّها الغربة الأعمق! ألا يكون المنفى مكاناً تصل إليه... أن يكون المنفى شرطاً وجودياً يتسرّب إلى الوعي نفسه، ويُصبح عنده كلّ مكان، تحت كلّ سماء، موقّتاً، وكلّ انتماء هشّاً.

 

من مجموعة “رحلة إلى المجهول“. (سيروان باران)
من مجموعة “رحلة إلى المجهول“. (سيروان باران)

 

ولشارع الحمرا دلالته الخاصة؛ وباران يعيش هناك تجربته الفردية داخل طبقة أوسع من ذاكرة المدينة. بيروت المأوى الموقّت، مختبر الحرية، والمكان الهش الذي لا يكفّ عن استقبال جروح الآخرين فيما يرفع جروحه ليلثمها. الحمرا ليست خلاصاً من الحرب... هي مرآة تعكس أهوالها من زاوية أخرى.

 

ماذا يبقى بعد الحرب؟

والغربة في تجربته تفوق الظرف الجغرافي لتُشكّل عنصراً بنيوياً في الرؤية. والمنفى ليس أن تغادر أرضك، بل أن تكتشف أنّ أرضك غادرتك أيضاً، أو أنها صارت محمولة في جسدك كذاكرة لا يمكن إنزالها عند أيّ حدود. اللوحة مكانٌ يُقيم فيه ما لا يستطيع أن يقيم في الواقع: الوجوه التي صمتت والخوف الذي لم يجد لغة لينطق بها، والسلطة التي بدّلت أسماءها ولم تغيّر طباعها.

في مرسم الحمرا، تتقاطع ذاكرة بغداد مع قلق بيروت. يواصل باران رسم ما لا ينتهي بانتهاء الحروب وما لا يأتي مع "الفرج" المنشود عند كلّ هدنة. يرسم ما يبقّى بعد أفول مركبات الجيوش من نشرات الأخبار. يرسم الإنسان وقد عبرت الحرب داخله، فغيّرت مشيته ونظرته وملامحه وصمته. يرسم النازح المنتظر. لوحاته أقلّ انشغالاً بالماضي ممّا نظنّ. إنّها، في عمقها، تحذير من حاضر لا يزال يصنع الأجساد نفسها ويكدّسها ويرسلها إلى المجهول؛ حاضر يصنع الوجوه نفسها ويزرع في قسماتها الخوف نفسه، في بلاد كثيرة بأسماء مختلفة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 6/18/2026 6:10:00 AM
يعتبر "الجنرال" أن إخفاء هويّته يحرّره تماماً من الضغوط الاجتماعية والروابط العشائرية والمجاملات السياسية.
شمال إفريقيا 6/16/2026 11:26:00 PM
لغز "الأتوبيس الأسود" في القاهرة ينتهي.. والداخلية تكشف التفاصيل
لبنان 6/18/2026 5:05:00 PM
اعتمد "حزب الله" على مسيّرات متفجّرة تعمل بالألياف الضوئية في مهاجمة قوات ومواقع إسرائيلية، وقال مسؤولون فيه إنها تُصنّع في لبنان.
لبنان 6/18/2026 8:05:00 PM

الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة على فرنجية وقماطي وشبكة مالية مرتبطة بـ"حزب الله" في لبنان وسوريا والعراق وعُمان