أتباع فان غوغ ومريدوه معرضاً في أوفير سور واز... هؤلاء تعترف لوحاتهم: هذا هو ملهمنا وأستاذنا!
لا يمرّ عام في فرنسا إلا ويقام معرض كبير حول الفنان الهولندي فان غوغ. فلمناسبة حلول فصل الربيع دشّن "متحف قصر بلدة أوفير سور واز"، ساعة بالسيارة من باريس، معرضاً جديداً بعنوان "فان غوغ المؤثر، تراث متحرك" يضم مجموعة من أعماله وأعمال فنانين راحلين ومعاصرين استوحوا من عوالمه على الرغم من مرور أكثر من قرن على رحيله.

يرجع اختيار أوفير سور واز لإقامة هذا المعرض إلى أنّ الفنان أمضى فيها آخر أيام حياته حتى وفاته منتحراً. وصل إليها في 20 أيار/مايو عام 1890 وبقي فيها حتى السابع والعشرين من شهر تموز/يوليو من العام نفسه، حيث أنجز أكثر من سبعين لوحة زيتية تتراوح بين الطبيعة الصامتة ومشاهد البلدة وبورتريهات تُعدّ اليوم من الروائع التي كرّسته كواحد من كبار الفنانين ومن رواد الحداثة.

يقدّم المعرض رؤية معاصرة للفنان تؤكّد أنه لم يكن فقط مبدعاً كبيراً في حياته بل كان مؤثراً سابقاً لعصره ولا تزال أعماله إلى اليوم مصدر إلهام للعديد من المبدعين في المجالات كافة.
في البداية، نتعرف إلى الأجواء التي عاش فيها فان غوغ منذ قدومه إلى باريس التي أقام فيها عامين مع شقيقه تيو، مما سمح له بأن يجدد أسلوبه بعد اطّلاعه على الفن الانطباعي ولوحات كلود مونيه وعلى محفورات الفن الياباني. من الأكيد أنّه قبل أن يبتكر أسلوبه الخاص، تأثر بالفنانين الذي سبقوه إلى بلدة أوفير سور واز بسبب طبيعتها الجميلة وقربها من العاصمة باريس ومنهم كميل كورو وشارل دوبينيي وبول سيزان. كان معجباً بنتاجهم وأراد أن يرسم مثلهم في الهواء الطلق. وبالفعل تمكن خلال مرحلة قصيرة من ابتكار أسلوبه الخاص الفريد الذي ترك أثره على عشرات الفنانين، كما يبين المعرض حيث عُلقت لوحاته جنبا إلى جنب أعمال هؤلاء.

تجلّى تأثير فان غوغ مباشرة بعد وفاته كما يتّضح في لوحة "الطريق بين الحقول" للفنان الفرنسي ليو غوسون (1860 - 1944) التي أنجزت عام 1891، حتى أننا نخال أنفسنا أمام لوحة للفنان الهولندي الذي اشتهر برسمه حقول القمح في أوفير سور واز.
من رسوم الحقول إلى رسوم أزهار دوار الشمس التي كانت من أزهار الفنان المفضلة لما ترمز إليه من قيم الصداقة والوفاء والحياة المشعة بالنور. اختار الفنان هذه الزهرة للونها الأصفر، وهو عرف كيف يمزج درجات مختلفة من هذا اللون بأسلوبه الخاص. هذه الزهور الصفراء الممتلئة بالشمس، كانت ولا تزال إلى اليوم مصدر وحي للكثير من الفنانين الحاضرين في المعرض، ومنهم الفنان الهولندي كورناي (1922 - 2010) في لوحته "دوار الشمس" المنفذة عام 1999، والفنان البريطاني ديفيد هوكني (88 عاماً) في لوحته "الزهور الصفراء" المنفذة عام 2021. كذلك تطلّ علينا أزهار الفنان في تصاميم الأزياء المعاصرة التي أعدّتها
"دار فيكتور أند رولف" في مجموعتها لصيف وربيع 2015.

من رسوم الطبيعة وعناصرها إلى رسوم الوجوه، ومن المعروف عن فان غوغ أنه أنجز الكثير من البورتريهات، خاصة تلك التي رسم فيها نفسه بوضعيات مختلفة، حتى يمكننا القول إنّه رسام البورتريه الذاتي بامتياز، وفيه عبّر عن أحواله النفسية بتقنيات وألوان مختلفة. لا تزال هذه البورتريهات إلى اليوم تثير إعجاب الفنانين، ومنهم الفنان الهولندي فيليب أكرمان (69 عاماً) الذي تخصص منذ عام 1981 في رسم البورتريهات الذاتية. ونشاهد في المعرض لوحتين له يطغى عليهما اللون الأصفر، تجسّدان من جهة نهله من فان غوغ، ومن جهة أخرى خصوصيته التي فرضته على الحياة التشكيلية المعاصرة في مقاربته الخاصة لفن البورتريه حتى أنّه قال "أنا أرسم نفسي، ولذلك أرسم البشرية جمعاء".
نبض