كانّ 79 - "دمويّ": ستُهرق الدماء!
هناك جيل من المخرجات الفرنسيات يفرض حضوره بجرأة، إلى حدّ أن أفلامهن تبدو أحياناً تجربة مشاهدة متبعة. من بين الأسماء البارزة في هذا السياق: كارولين فارجا وجوليا دوكورنو، ومعهما الوافدة الجديدة إلى عالم سينما الرعب: ماريون لو كوروليه التي تشارك في مهرجان كانّ السينمائي (12 - 23 أيار/مايو) بفيلم يكشف عنوانه وحده كثيراً من مضمونه: "دموي" (عروض "منتصف الليل"). غير أن الأمر لا يتوقّف عند حدود العنف الجسدي أو سفك الدماء، لا بل يتجاوزه إلى تحوّلات عضوية صادمة، وسوائل جسدية، وتقشّرات بيولوجية تُعرَض بطريقة نيئة، تقترب أحياناً من حدود التهويل الحسّي والتقزز المتعمّد. إننا هنا أمام ما يُعرَف في تصنيفات الأنواع السينمائية بـ"الرعب الجسدي"، حيث يصبح الجسد ذاته ساحة للاضطرابات، ومصدراً للقلق البصري والنفسي في آن معاً.
عند الإعلان عن اختيارها في كانّ، كتبت المخرجة على صفحتها جملة قصيرة تحمل نبرة استفزازية واضحة: "اربطوا حزام الأمان يا أحبّائي. ستُسفَك الدماء!".
منذ البداية، يضع الفيلم نفسه داخل مستشفى، وهو مكان يفترض أنه مخصّص للشفاء والعلاج، لكنه في الوقت نفسه يحمل طبقة خفية من الغموض والرهبة، بالإضافة إلى كونه فضاء لغوياً أيضاً: لغة لا يفهمها المرضى تماماً، ولا يمتلكون مفاتيحها، وهو ما يكفي وحده لبثّ شعور دائم بالقلق.

تنطلق الأحداث مع وصول مارغو (مارا تاكان)، الممرضة الشابة المتخرجة حديثاً، إلى المستشفى لبدء فترة تدريبها في قسم الطوارئ، تحت إشراف طبيبة صارمة (كارين فيار) تديره بقبضة حديد وبأساليب لا تقل حدّة عن بيئة القسم نفسه. العلاقة بين المعلّمة والمتدربة تتّخذ سريعاً طابع شدّ وجذب، أشبه بلعبة قط وفأر. لكن هذه الخصومة، على أهميتها، ليست جوهر الفيلم. القصّة تبدأ مع اكتشاف مارغو تغيّرات غريبة في جسدها: نزيف متكرر، آثار مرض نادر، وتحوّل جلدي تدريجي ينذر بطفرة عضوية تخرج عن السيطرة. غير أنها سرعان ما تكتشف أنها ليست الحالة الوحيدة، فهناك آخرون يعانون الأعراض نفسها داخل المستشفى وخارجه، وكأن الأمر يتعلّق بظاهرة جماعية أقرب إلى الوباء، تتسع دائرتها يوماً بعد يوم.
يستحضر الفيلم، بشكل موارب، أصداء مرحلة كوفيد 19، وما رافقها من تجارب جماعية. ثمة إشارات متكررة توحي بأن هذا العمل لم يكن ليولد بهذه الصيغة لولا المرور بتلك اللحظة العالمية الاستثنائية. ويبدو أن ماريون لو كوروليه تعود إلى هذا الهوس أكثر من مرة، إذ سبق لها أن أنجزت فيلماً قصيراً بعنوان "الله لم يعد طبيباً"، يعالج الفكرة ذاتها ولكن ضمن قالب مكثّف لا يتجاوز النصف ساعة.

من منظور سينما النوع، يلتزم الفيلم قواعده الداخلية بصرامة، سواء على مستوى البناء السردي أو على مستوى الاشتغال البصري. كما أن الأداء التمثيلي والإخراج يساهمان معاً في رفع منسوب التأثير، خصوصاً في اللحظات التي يتطلّب فيها الفيلم انتقالاً بين الصدمة والتوتّر الجسدي والنفسي.
الأهم من ذلك أن العمل ينجح في إيجاد معادلة دقيقة بين الواقع والخيال، أو بالأحرى بين ما يمكن تصديقه وما يتعذّر ذلك، مع إبقاء مسافة ضيقة ومقلقة بين الطرفين. فما عشناه خلال الجائحة، مثلاً، كان سيبدو ضرباً من الخيال العلمي لو طُرح في فيلم قبل عام 2020، لكنه اكتسب لاحقاً شرعية واقعية فرضتها التجربة نفسها.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة ما يقوله الفيلم حول قضايا مثل استعادة الجسد من قبل مَن يملكون سلطة تعريفه والتحكّم به، سواء في المجال الطبّي أو غيره، إلى جانب التعتيم على بعض الحقائق التي تتعلق بالصحّة، باعتباره نقداً أوسع لبنية اجتماعية غير متوازنة. وهي بنية، حين تُترَك من دون مساءلة، قد تقود في نهاية المطاف إلى أشكال من العنف الرمزي، وربما إلى واقع أكثر قسوة و"دموية" ممّا يوحي به الفيلم.
نبض