كانّ 79 - "المحبوبة": سوروغويين في فخّ الميلودراما
العلاقة بين الفنّ والحياة، وما ينشأ عنهما من خصومة وتعايش، هي ما يسعى "المحبوبة" لرودريغو سوروغويين إلى الكشف عنه. سوروغويين، الذي تكرّس اسمه في المشهد السينمائي مع "الوحوش" قبل أربع سنوات، يعود هنا بفيلم راهن عليه مهرجان كانّ السينمائي (12 - 23 أيار/مايو) عبر إدراجه في المسابقة. وقد لقي احتفاءً لدى بعض العرب، لا سيما بسبب مواقف بطله خافيير بارديم الداعمة للقضية الفلسطينية، في ضرب غير مسبوق لمعايير النقد السينمائي.
ينتمي العمل إلى نوع من ميلودراما، ويجمع بين مخرج سينمائي يؤدّي دوره بارديم، وابنته الممثّلة (فيكتوريا لوينغو). يذكّرنا الفيلم – كما في أعمال ألمودوفار – بلعبة المرايا وبتقنية "الميز آن أبيم"، غير أن هذا الاشتغال البصري والفكري لا يخلو من إطالة. ويتبدّى ذلك مبكراً في المشهد الافتتاحي الطويل الذي يقوم على حوار داخل مطعم بين أب وابنته، حيث يلمس المُشاهد منذ البداية حاجة كلّ منهما إلى الآخر. إنها لحظة استعادة مزدوجة، إنسانية وفنية في آن، فالأب الذي ابتعد طويلاً عن ابنته يعود اليوم إلى إسبانيا ليمنحها دوراً في الفيلم الذي يعمل عليه. يظن أنه سيجد في حضنها ما فاته، بينما تقابله هي بحذر، رافضةً أن يعاملها كطفلة. خلف هذا كله، تجتمع لدى الطرفين الحاجة ذاتها: الحاجة إلى الحبّ.

الفكرة البسيطة التي ينطلق منها الفيلم لا تكفّ عن التمدّد إلى ما لا نهاية، في سلسلة من المَشاهد التي يطبعها ذوق تقطيعي ونمط تصويري. هذا المناخ المشبّع بالمشاعر المصطنعة يبلغ ذروته في مشهد تصوير المخرج الأب لأحد المقاطع، حيث يتكرر التعطّل في كلّ مرة بسبب مشكلة جديدة. على امتداد أكثر من ساعتين، نجد أنفسنا محاصرين بين شخصيتين، كلٌّ منهما ينتظر من الآخر أن يتنازل، في دوامة من التحدّيات الصغيرة التي لا تقود إلى خلاص. نبتسم أحياناً، وننزعج أحياناً أخرى، لأن سوروغويين، في نهاية المطاف، ليس تروفو، وفيلمه هذا ليس "الليل الأميركي". ما نراه أقرب إلى مخاض طويل لمصالحة عائلية تحت شمس إسبانيا.
يصعب الجزم بما يريد سوروغويين قوله تحديداً: هل يسعى إلى تفكيك إيغو الفنّان الذي يظن أنه يمتلك سلطة مطلقة وكامل الصلاحيات، لصالح رؤية الابنة التي تبدو أكثر حساسيةً تجاه فعل الخق الفنّي؟ أم أن الأمر لا يتجاوز لعبة القط والفأر العائلية كمادة درامية في ذاتها؟
في مجمل الأحوال، تجسيد بارديم لشخصية مركّبة يأخذ الفيلم إلى مستوى آخر. يتأرجح دوره بين الجاذبية والرهبة والنفور، وهو من أبرز نقاط القوة في الفيلم، إلى جانب بعض اللحظات البصرية في النصف الساعة الأخيرة، حين يحاول المخرج أن يتفنّن بالصورة والصوت لخلق عالمه الخاص.
الفيلم يفتقر إلى ما كان يميّز "قيمة عاطفية" ليواكيم ترير، الذي بدوره تناول علاقة مخرج بابنته الممثّلة عبر وسيط السينما. فإلى جانب تفوّق التجربة النروجية فنياً، ثمة إيمان واضح عند ترير بإمكانات الفنّ كأداة للمصالحة، وهو ما يغيب إلى حد كبير عند سوروغويين، ليبقى فيلمه أقرب إلى تأمّل في خلل العلاقة بين الآباء والبنات.
نبض