تران آنه هونغ لـ"النهار": أفلامي هدية للمُشاهد

ثقافة 31-03-2026 | 00:23

تران آنه هونغ لـ"النهار": أفلامي هدية للمُشاهد

"النهار" في لقاء حصري مع المخرج الفييتنامي الفرنسي تران آنه هونغ.
تران آنه هونغ لـ"النهار": أفلامي هدية للمُشاهد
تران آنه هونغ مع جولييت بينوش في كانّ 2023.
Smaller Bigger

في هذا الحوار الحصري الذي أجرته "النهار" خلال مشاركته عضواً في لجنة تحكيم مهرجان كليرمون فيران الأخير للفيلم القصير، يفتح المخرج الفييتنامي الفرنسي تران آنه هونغ نافذة على كوكبه السينمائي، كاشفاً عن رؤيته للفيلم القصير وطبيعة انتقاله إلى الأعمال الطويلة، بالاضافة إلى فلسفته في التعامل مع الممثّلين والصورة السينمائية.

من تجربته السيئة الذكر في إنجاز أفلام قصيرة "استكشافية" إلى منجزه الأخير "شغف دودان بوفان" (فاز بجائزة الإخراج في مهرجان كانّ 2023)، يتناول هونغ العلاقة بين الموضوع والأسلوب، والحرية مقابل قيود الرقابة في بلاده الأم. كما يشارك تجربته في تصوير الطعام كلغة فنية تدمج بين المذاق والجوهر الإنساني، مؤكّداً أن كلّ فيلم هدية يقدّمها للمُشاهد تتجاوز ثمن التذكرة.

* هل تعتبر الفيلم القصير سينما قائمة في ذاتها؟
- بالتأكيد. لكنني أتفهّم أيضاً مَن يرى أن المخرج لا يبرهن على قدرته الفنية إلا من خلال فيلم طويل، يمتد مثلًا لساعة ونصف الساعة. لكن، الفيلم القصير شديد الصعوبة. لم أنجز سوى فيلمين قصيرين، أخرجتُ أحدهما خلال الدراسة، ولم أرغب بعدها قطّ في خوض التجربة مرة أخرى. فالصيغة القصيرة تفرض قيداً سردياً بالغ التعقيد: من الصعب جداً بناء هيكل درامي متكامل ضمن زمن مكثّف. ولعلّ هذا ما يفسّر لجوء الكثير من الأفلام القصيرة إلى شذرة من الواقع، أو اعتمادها على نهاية مفاجئة، أو ما يُعرف بـ"الالتفاف السردي". فهذه أشكال تكاد تكون طبيعية ضمن هذا القالب.

* ذكرتَ أنك لم تعد ترغب في عرض أفلامك القصيرة. ما السبب؟ 
- حاولتُ طويلاً إتلافها… لكنها تعود وتظهر دائماً. فهناك دائماً مَن يحتفظ بنسخة منها. الأمر لا يتعلّق بالتنصّل منها. إنما مع مرور الوقت يدرك المرء أن السينما مختلفة عمّا كان يسعى إليه في مرحلة معينة من حياته.

* كان فيلمك الأول، "رائحة البابايا الخضراء"، مرتبط بأصولك الفييتنامية، بينما لا يحمل فيلمك الأخير أي صلة بها. هل يُعَدّ هذا تطوّراً؟
- بل يرتبط بالأحرى بصعوبة العثور على موضوع. ففي كثير من الأحيان، لا يكون المخرج هو مَن يختار، بل الموضوع هو الذي يختاره. تصادف كتاباً، أو حكاية، أو فكرة… وفجأةً تدرك أن هذا هو العمل الذي ينبغي إنجازه. أما في ما يتعلّق بفييتنام، فهناك عوائق مهمّة: الرقابة. لا يمكنني أن أنجز هناك الأفلام التي أرغب فيها، من دون التعرّض لخطر التعطيل أو المنع. وهذا يعقّد الأمور إلى حدّ كبير. المنتجون الغربيون الذين يعرفون الأرض جيداً، يدركون أن أي مشروع يُنفَّذ في فييتنام قد يتم توقيفه في أي لحظة. لذلك يصبح من الصعب تأمين المال. إنه خطر لا يرغب كثيرون على تحمّله. بالنسبة لي، يمثّل ذلك عقبة إضافية. أرغب في التصوير في فييتنام. لديّ مشاريع كثيرة في ذهني. بل إن من أكثر الأشياء التي ندمتُ عليها في حياتي هو أنني لم أتمكن من إنجاز مزيد من الأفلام في وطني. لكن، الرقابة عائق حقيقي. فإذا رويتَ قصّة فيها شرطي، عليه أن يكون نزيهاً كفّه نظيف، يحلّ المشاكل، ويكون مثالاً للأخلاق.

* لنتحدّث عن فيلمك الأخير، "شغف دودان بوفان"، الذي عُرض في 2023. إنه سينما قائمة على التفاصيل، على الأحاسيس. كثيرون يقولون إنه من الصعب تلخيص عملكم: يمكن مشاهدته، الشعور به، لكن وصفه ببضع كلمات يبدو شبه مستحيل…
- السينما بالنسبة لي فنّ التجسيد. نضع الأفكار داخل أجساد الممثّلين. البٌعد الجسدي والحسّي أساسي. كلّ عملي يتمحور على هذا. الضوء، الملابس، الديكورات، كلّ شيء يجب أن يساهم في إبراز الحضور الجسدي على الشاشة.

 

 

”رائحة البابايا الخضراء“، أول أفلام هونغ الطويلة.
”رائحة البابايا الخضراء“، أول أفلام هونغ الطويلة.

 

* أرى أن هذا الفيلم قد يصبح مرجعاً للتعرف إلى المطبخ الفرنسي.
- الأمر غاية في البساطة. عندما أنجز فيلماً، أعتبره دائماً كهدية أقدّمها للمُشاهد. هذا ليس ادعاءً، بلّ طموح. الأمر أشبه أن تذهب إلى المكتبة وتشتري "البحث عن الزمن المفقود" مقابل بضعة يوروهات، فالكتاب يساوي أكثر بكثير من ثمنه. والفيلم يساوي أكثر بكثير ممّا يدفعه المُشاهد لشراء التذكرة. مسؤوليتي أن أمنحه شيئاً يفوق ثمن التذكرة. لذا نعم، إنه هدية.

* هل تغيّر النصّ كثيراً أثناء التصوير؟
- دائماً. أرتجل، أبتكر، أعدّل. لكن ليس الممثّلون وحدهم مَن يضيفون عناصر جديدة. فالمكان والوقت الذي نقضيه مع الفريق لهما دور.

* كيف تشتغل على الصورة؟
- درستُ التصوير الفوتوغرافي، لكنني لم أمارسه، لأنني لا أمتلك أي موهبة في التقاط الصور. الضوء، الإضاءة المعاكسة، هذا كله يتولاه مدير التصوير. كلّ ما أطلبه منه هو أن يعطيني الجلد، أي حضور الجسم والمادة الحية للممثّلين.

* بعد إنجاز أفلام عدة، هل يظلّ كلّ مشروع جديد يُشعرك وكأنه تجربتك الأولى؟ 
- نعم، لكن الأمر يتوقّف على المعنى الذي نمنحه لهذه الفكرة: أهو تعبير رومنطيقي، أم واقع عملي؟ بالنسبة لي، ينبغي لكلّ فيلم أن يمثّل قطيعة. فعندما أنتهي من فيلم، أحاول إتلاف كلّ ما يتّصل به. لا أعود إلى مشاهدته. وعندما أبدأ فيلماً جديداً، أبحث عن تغيير أسلوبي. قد أرسم في أحد الأفلام البنية الكاملة، وأحدّد البداية والنهاية، ثم أكتب السيناريو. وفي فيلم آخر، قد أبدأ بكتابة جميع الحوارات أولاً، ثم أبني المَشاهد لاحقاً، حتى لو انتهى بي الأمر إلى حذف تلك الحوارات. أغيّر مقاربتي في كلّ مرة. فهذه طريقتي في البقاء حيّاً أمام الموضوع.

* أنجزتَ عدداً محدوداً من الأفلام خلال أكثر من ثلاثين عاماً…
- هذا صحيح. تكمن الصعوبة في طبيعة المواضيع التي أختارها. فهي ليست دائماً ذات طابع تجاري كافٍ لتأمين تمويلها بسهولة. إقناع منتج بتطوير سيناريو ليس هو الأمر الأكثر تعقيداً: أكتب، وأتقاضى أجراً مقابل ذلك. لكن بعد اكتمال السيناريو، وعند تقديمه إلى الجهات المموّلة، تبدأ التعقيدات. بالنسبة لي، قد يعني ذلك الانتظار سنتين أو ثلاثاً قبل أن يرى المشروع النور.

* هل تعيش اليوم بشكل رئيسي في فرنسا؟
- نعم، لكنني أعود إلى فييتنام كثيراً. أقضي هناك شهرين أو ثلاثة كلّ عام. لا بدافع الضرورة، وإنما لأنني أحبّ ذلك. عندما أشعر ببعض التعب هنا، أذهب إلى هناك. وعندما أشعر بالتعب هناك، أعود. إنه نوع من التوازن.

 

العلامات الدالة