قبل انقضاء شهر آذار/مارس، لا بدّ لنا من التوقّف لحظة، كعادتنا، والالتفات نحو الصوت الذي نُجدّد يومياً عهدنا معه في صباحاتنا الهادئة وليالينا المثقلة بتعب الأيام. ملازمةٌ هي لتفاصيل حياتنا؛ تُعيدنا السيّدة فيروز دائماً إلى جوهر الأشياء، ويصعب اختزال سرّ انجذابنا إليها. الصوت طبعاً، ولكن ثمّة ما يُعيدنا دوماً إليها. اعتدناها، فصارت خبزنا والهواء. واليوم، نستذكر واحدةً من أجمل المحطات في مسيرتنا وإيّاها؛ حفل دبي 2001.
قبل 25 عاماً، ليل 29 آذار/مارس، شهدت دبي حدثاً فنياً فريداً ستحتفظ دوماً بذكراه، عندما أحيت فيروز حفلاً تاريخيّاً في أوديتوريوم الجامعة الأميركية في دبي، ضمن فعاليات مهرجان دبي للتسوّق. استقطب الحفل جمهوراً كثيفاً تجاوزت أعداده سعة القاعة (900 مقعد)، وقد جاء تحت رعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وحضره الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وتأثّر بحملةٍ ترويجيةٍ قويةٍ من جانب حكومة دبي ومهرجان التسوّق.

قدّمت فيروز في ذلك المساء مجموعةً مختارةً من أروع أغانيها من مختلف مراحل مسيرتها؛ ابتدأت بـ"كيفك إنتَ" و"اشتقتلك" (من كلمات ألحان نجلها زياد الرحباني)، واستعادت "أنا وشادي" و"وقف يا أسمر"، وقدّم الكورال "يا خيل" تحيةً للفنانة صباح والأخوين رحباني. ولم تستطع إلّا أن تُغنّي للقدس، فقدّمت "القدس في البال" و"ردّني إلى بلادي"، وعلا التصفيق وسال الدمع.
بالدانتيل الأسود والشعر الأشقر القصير، حلّت السيّدة بكامل أناقتها الرصينة، وغنّت كلماتها ببساطةٍ ومرح، فكانت تتمايل في بعض الأغنيات كما الصبيّة في مقتبل العمر، فيما قادت أوركسترا مكوّنةً من نحو 40 عازفاً بقيادة المايسترو كارين دورغاريان (رافقها أيضاً في بيت الدين صيف 2001). وفي النصف الثاني من الحفل، ظهرت بالأبيض اللؤلؤي، شعرها الطويل يزيّن كتفيها، وغنّت بخفّة دمٍ "ضاق خلقي" و"إذا الأرض مدوّرة".
أيقونة وجمهور مخلص
على مدار ربع قرنٍ من الزمن، ظل هذا الحدث علامةً فارقةً في مسيرة فيروز الحافلة؛ فهو يُجسّد تلاقحاً ثقافيّاً وفنّيّاً بين لبنان ودولة الإمارات العربية المتحدة في مرحلة ازدهارٍ ثقافي شهدتها دبي منذ أواخر التسعينات. أبرزت تغطية الحفل اهتمام الإمارات برعاية الفنون الراقيّة، وأكّدت مكانة فيروز، أيقونة عربية تُقدّم فنّها بوقارٍ وجديّة، بعيداً من مظاهر البهرجة الشائعة. كما سجل هذا الحفل إضافةً بارزةً إلى رصيد فيروز من الحفلات المهيبة التي أحيتها في الخليج؛ فالنجمة اللبنانية التي بدأت حياتها الفنية في الخمسينات ورفعت راية ثقافة بلادها في كل المحافل، وجدت في دبي جمهوراً مخلصاً ومستعدّاً للإنصات الى صوتها الأسطوري، يحفظ أغنياتها ويردّد ألحانها.

بحلول 2001 كانت فيروز قد تجاوزت الخامسة والستين من عمرها، ومحاطةً بهالةٍ ملكيةٍ فنيةٍ جمعت بينها وبين جمهورها الذي تربى على روائعها التي رافقت محطات الحياة - الحبّ، الألم، الحروب، الانتصارات - مدى نصف قرن. صوتها لم يتغيّر، ولم يتبدّل بتبدّل الفصول. ذلك العام، قدّمت ثلاثاً من أعظم حفلاتها التي طبعت شراكتها الفنّية مع زياد الرحباني: دبي (آذار/مارس)، الكويت (أيار/مايو)، وبيت الدين (تموز/يوليو).
للجمهور الإماراتي حكاية خاصة مع السيّدة فيروز، بدأت عام 1979، في السنة الرابعة للحرب الأهلية اللبنانية. كانت "بترا" المسرحية الأخيرة التي تقدّمها فيروز مع استفحال المعارك ولاحقاً انفصالها الفنّي عن الأخوين رحباني. احتفظ الجمهور بصورتها شامخةً رغم مأساة الأحداث المسرحيّة، وجهها ثابتٌ، عيناها نحو البعيد، يدها المتشنّجة تسأل العدل وتتحدّى الموت، ودمعةٌ رقيقة تنساب من عينها. مشهد وثّقه المصوّر الخاص بالسيّدة فاروجان ستيان، وصورة طارت بها الصحف والأسطوانات، وطُبعت على إعلان حفل فيروز الأول في الإمارات، وتحديداً في إمارة الشارقة.

"سفيرة العرب"
خمس أمسيات (19 - 23 نيسان/أبريل) على مسرح مركز "إكسبو" الحديث، شهد حفل افتتاحها حاكم الشارقة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، وقدّمت خلالها فيروز روائعها الى جمهورٍ أحبّها وأحبّ لبنانها. قدّمت إليهم "قصيدة الإمارات" (شعر وموسيقى الأخوين رحباني)، والتي صارت واحدةً من كلاسيكيات "سفيرة العرب" واحتلّت مطلع ألبومٍ صدر عام 1998. وتسنّى لنا السفر بالزمن إلى تلك الحفلات عبر كاميرا ريما رحباني، الطفلة العفويّة والفضوليّة، التي وثّقت أجزاء من الحفل ومتفرّقاتٍ من الرحلة.
"ليت الزمن يتيح لي أن أغنّي في كلّ إمارة وفي كلّ مدينة من هذه البلاد التي أحببتها"، قالت السيّدة في مؤتمر صحافي، "ولكنّني مرتبطة بالغناء في باريس لصالح أطفال لبنان (...) الذين شرّدتهم الحرب وداست على طفولتهم البريئة، وسوف أخصّص كلّ عائد حفلاتي لصالحهم من دون تفرقة"... وقبل أن ينتهي نيسان، حطّت فيروز في مطار أورلي الباريسي، وغنّت في الأولمبيا ضمن واحدةٍ من أعظم حفلاتها التي احتفظ العالم بها مصوّرةً تلفزيونياً ومسموعةً على ثلاث أسطوانات.

عادت فيروز إلى الإمارات عام 1985 لتلتقي جمهورها الوفي يومي 24 و25 نيسان في أبوظبي على مسرح وزارة الإعلام والثقافة، ثمّ في مركز دبي التجاري العالمي مساء 24 أيار 1990، ومثلها عام 1993 وفي 27 تشرين الثاني/أكتوبر 1997، قبل أن تحيي حفلها الأول عربياً في الألف الجديد، والذي نحتفي بذكراه اليوم، وتكرّر التجربة بعد عام وتفتتح حفلها بتحيّةٍ إلى فلسطين، وتُخصّص ريعه لدعم المتطوعين الشباب الذين يعملون على نشر الوعي حول التوحّد، ضمن حملة أطلقها مجلس إدارة مركز دبي للتوحّد.
وعام 2003، شُيّد مسرح خاص في حديقة فندق "جميرا بيتش" المحاذية لشاطئ الخليج المطل على "برج العرب" لاستضافة حفلها الرابع في دبي، والذي رعاه الشيخ راشد بن محمد بن راشد آل مكتوم، ورافقها فيه على البيانو، للمرة الأولى في سلسلة حفلاتها في الخليج، نجلها زياد، ليكون عام 2006، العام الذي تختتم فيه حفلاتها في الدول العربية بحفلٍ على مسرح قصر الإمارات في أبوظبي، وآخر في الجامعة الأميركية في دبي، وثالث في بيروت، وتنطلق بعدها في حفلين أسطوريّين في اليونان (2007) وهولندا (2011)، وبينهما تعود إلى مسرح قاعة المدينة الجامعية في الشارقة لتُقدّم المسرحية الغنائية "صح النوم" للأخوين رحباني.
كان حفل فيروز 2001 من العروض الاستثنائية التي ساهمت في تعزيز إرثها المُجسّد للعمق الفني والأصالة. قدمّت الأمسية "فيروزاً جديدة"، وأثبتت الريشة الصوتية أن الزمن لم يبدّد بريق صوتها العنبر. وقد ساهم تسجيل الحفل رسميّاً من ريما رحباني وإتاحته عبر "دي في دي" ولاحقاً "يوتيوب" في نشر حكاية الحفل إلى أجيالٍ جديدة، مما يضمن ذكرياته ضمن سجلات الفن العربي المعاصر.
نبض