تماثيل إلهية من معبد المسلات. (فيليب مايارد)
محطةً مفصلية ذات شأنٍ بالغ في السردين التاريخي والثقافي. ينسج معرض "بيبلوس، مدينة ألفية"، الذي افتُتح أخيراً في معهد العالم العربي، حكايةً مركّبة عن استمرارية الإنسان في موقعٍ لم ينقطع عنه السكن منذ ما يقارب تسعة آلاف عام، ولا يكتفي بعرض اللقى الأثرية عرضاً جامداً.هذه التظاهرة الثقافية الإنسانية، ثمرة تعاونٍ دولي واسع النطاق، تسلّط الضوء على الدور المحوري الذي اضطلعت به مدينة جبيل بوصفها أول ميناء بحري في العالم، ومهداً لابتكاراتٍ أسهمت في تشكيل بنية الفكر الغربي ذاته، وفي طليعتها نشوء الأبجدية الفينيقية.عبر مسارٍ يمتدّ على مستويين من أروقة المؤسسة الباريسية، يُدعى الزائر إلى انغماسٍ حسي ومعرفي في مدينة - دولة أتقنت الإبحار بين تأثيرات الإمبراطوريات المصرية والرافدية والإغريقية - الرومانية، من دون أن تختزل هويتها المشرقية المتفرّدة.الأهمية التاريخية والرمزية للمعرضيتجاوز تنظيم حدثٍ بهذا الحجم حدوده العلمية الصرفة، ليغدو فعلاً مشحوناً بدلالات الديبلوماسية الثقافية وهاجس صون التراث في مناطق النزاع. ففي لحظةٍ يرزح فيها لبنان تحت وطأة زمنٍ قاتمٍ موسومٍ بالاضطرابات، يُقدَّم المعرض بوصفه "صرخة مقاومة" وإعلاناً صريحاً عن حيوية الهوية اللبنانية وقدرتها على الصمود.وتُضفي مشاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى جانب وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة، بُعداً سياسياً وثقافياً يؤكّد متانة الصداقة التي لا تنفصم عراها بين البلدين. وهكذا يغدو المعرض بمثابة ملاذٍ موقّت يضمّ نحو 400 قطعة استثنائية، بعضها لم يغادر الأراضي اللبنانية قط، في تعبيرٍ جليّ عن إرادة مشتركة بين المديرية العامة للآثار واليونسكو لحماية هذه الكنوز ضمن منظومةٍ مشدّدة من الرعاية والحفظ.تتجلّى أهمية هذا المعرض الاستعادي أيضاً في قدرته الفذّة على تكثيف أحدث الاكتشافات العلمية وصياغتها في رؤيةٍ متماسكة. فمع أنّ جبيل خضعت للاستكشاف منذ القرن التاسع عشر على يد شخصيات بارزة مثل إرنست رينان، فإنّ حملات التنقيب التي أُنجزت بين عامي 2018 و2023 أضاءت جوانب غير مسبوقة من التنظيمين الاجتماعي والاقتصادي للمدينة في العصر البرونزي.وتُعرض هذه الاكتشافات، وفي طليعتها مقبرة نُخبوية وصلت إلينا بحالةٍ شبه كاملة، عرضاً حصرياً عالمياً في معهد العالم العربي، بما يتيح إعادة النظر في مكانة جبيل: لا بوصفها محطةٍ تجارية وحسب، إنما كياناً سياسياً مستقلاً، يمتلك بنيةً حضرية معقّدة ونفوذاً ثقافياً متوهّج الأثر.من ميناءٍ للصيادين إلى حاضرةٍ كونيةتبدأ حكاية جبيل قبل نحو 8900 عام، مع استقرار جماعةٍ من الصيادين على نتوءٍ من الحجر الرملي يشرف على البحر الأبيض المتوسط. وهذه الاستمرارية الفريدة في السكن تُعدّ من أبرز المعايير التي أسهمت في إدراج الموقع على قائمة التراث العالمي لليونسكو. ويعيد المعرض تتبّع هذا التحوّل بدقّة منهجية، من مسكنٍ نيوليتي دائري بسيط إلى نواة عمرانٍ منظّم مع مطلع الألف الثالث قبل الميلاد. عندئذٍ، تبرز جبيل - التي ...