"أذكر أنني تُهت على ذاك الطريق"

ثقافة 24-03-2026 | 11:15

"أذكر أنني تُهت على ذاك الطريق"

صرت أعرف أن الضياع لا يحتاج إلى طرق بعيدة، يكفي أن يغيب الإنسان قليلًا عن نفسه. 
"أذكر أنني تُهت على ذاك الطريق"
ليليان يمين.
Smaller Bigger

ليليان يمين

 

 

لم أكن أعرف يومها، أنّ هذا الطريق الذي يأخذني إلى المدرسة ،كان وعلى مهل، يعلّمني كيف أرى وكيف أتذكّر.

 

كنت أقطع طريقي من البيت إلى المدرسة سيرًا على الأقدام، يومًا بعد يوم، عامًا بعد عام،أواجه شمسه كما مطره.

 

أنطلقُ من بيتنا المجاور للطريق العام، وأسير نحو كنيسة سيدة الحارة الوادعة، أرسمُ إشارة الصليب من جرن مائها وأتابع. على يميني كنيسة مار يوحنا، بساحتها المهيبة، كنت أنظر إليها بدهشة، كأنني أكتشف الجمال للمرة الأولى، هناك حيث الجداريات بريشة صليبا الدويهي، مدعاة للتأمل ولسؤال لا ينتهي.

 

قليلًا، أصل إلى واجهة محل عمتي ماريا "الشيخا"، المرأة الجميلة وجهًا وصوتًا،فتطل عليّ من خلف زجاج الأواني المنزلية التي كانت تعرضها، وتلك الأباريق التي صارت جزءًا من رحلتي اليومية.

 

ومن هناك، كنت أقطع الطريق، حيث كانت تنضم إليّ في أغلب الأحيان "وداد"، زميلتي في الصف. كان لوالدها "كوستي" متجره أيضًا، رجل ودود، يصرّ على أن يمنحني بعض النقود، أقبلها أحيانًا، وأرفضها بصعوبة أحيانًا أخرى.

 

كانت وداد رفيقة الطريق… لكن رحلتها في الحياة كانت قصيرة. امتدت يد العنف وسرقها الموت. حزنت لغيابها، لكن حزني الأكبر كان على وجه أبيها وأمها، الوجهين اللذين علقا في ذاكرتي بكامل بهجتهما، وعجزت عن رؤيتهما بعد ذلك.

 

أتابع السير، تطالعني سينما "البايو"،فتسحرني الإعلانات والملصقات. في تلك الصالة شاهدت أجمل الأفلام: "  Jesus of Nazareth"، وكاترين دونوف، و إلفيس برسلي.. عالمٌ ساهم، من دون أن نشعر، في تنقية مشاعرنا وصياغة وجداننا.

 

أُكمل، وتبدأ الطريق بالانحدار،حيث بيت "المعلم بدوي"،صديق والدي الأقرب، الذي لم يتزوج وقد منحنا عاطفة أبوية صادقة. ما من يوم كان يمر دون أن نراه، كان يقيم مع أخته، نتبادل صباحًا كلمات سريعة و بسيطة، لكنها كانت كافية لتزرع الطمأنينة.

 

ألتف إلى اليمين، ثم إلى اليسار،فيسرقني النظر كما القلب إلى بيت جدي لأمي،وإن حالفني الحظ، أرى خالتي "إفلين"،إما في طريقها إلى الكنيسة أو عائدة من دكان "طنوس الشب" الذي يرتفع ثلاث درجات عن الطريق، فتغدقني بالضيافة والمصروف.

 

إلى الأمام قليلًا، متجر يعرض البذورات والأطايب الملوّنة، يصنع مشهدًا لا يُنسى.

 

أتابع بين البيوت، بين رائحة القهوة، وأصوات النساء ينادين بعضهنّ بعضًا،
أسماء حفظتها مع الأيام.

 

وأصل إلى المدخل الخلفي للمدرسة، حيث بائع الكعك الهادئ بعربته المسقوفة، يخفف من وطأة ذاك  الباب الحديدي الأسود الكبير.

وأذكر أنني تهت مرة على هذا الطريق،

 

ليس لأنني لا أعرفه، بل كأنني نسيتُه لوهلة. إنها المرة الأولى التي أبوح بها بذلك، كنت أسير كعادتي، ثم وجدت نفسي غريبًة عن الأماكن التي أعرفها جيدًا، كأن الشوارع ابتعدت قليلًا، أو أنني أنا من ابتعد. الأمر لم يدم طويلا، لكنه كان كافيا لأشعر بشيء من القلق، وبشيء آخر لم أفهمه حتى اليوم.
ثم عدت فجأة إلى الطريق،

 

كل شيء عاد إلى مكانه،

وكأن شيئًا لم يحدث…

إلا أنني، منذ ذلك اليوم،

صرت أعرف أن الضياع لا يحتاج إلى طرق بعيدة، يكفي أن يغيب الإنسان قليلًا عن نفسه. 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 3/23/2026 9:45:00 AM
هبطت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم نيسان/أبريل بنسبة 5 بالمئة إلى 4347 دولاراً.
لبنان 3/22/2026 11:45:00 PM
يوجد 23 أسيراً لبنانياً لدى إسرائيل...
هدّد ترامب السبت بتدمير منشآت الطاقة الإيرانية إذا لم تفتح طهران بالكامل مضيق هرمز
لبنان 3/22/2026 11:00:00 PM
أعلن صفا أن الحزب نجح في معالجة الخروقات الأمنية والتكنولوجية التي عانى منها في الحروب السابقة وتوعد بـ "مفاجآت" ميدانية.