6 أوسكارات لـ"معركة تلو أخرى": الأكاديمية تعترف أخيراً ببول توماس أندرسون

ثقافة 16-03-2026 | 17:46
6 أوسكارات لـ"معركة تلو أخرى": الأكاديمية تعترف أخيراً ببول توماس أندرسون
قراءة في حفل توزيع جوائز الـ"أوسكار" في دورتها الثامنة والتسعين.
6 أوسكارات لـ"معركة تلو أخرى": الأكاديمية تعترف أخيراً ببول توماس أندرسون
بول توماس أندرسون في حفل توزيع جوائز الـ"أوسكار". (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم يكن حفل توزيع جوائز الـ"أوسكار" في دورتها الثامنة والتسعين في منأى من التوترات السياسية والأمنية التي فرضتها الأوضاع الدولية في ظل الحرب الدائرة، اذ رُفِع مستوى التأهب الأمني حول مسرح "دولبي" (لوس أنجليس)، حيث أقيم الحفل، بعد تحذيرات استخباراتية من احتمال هجمات بطائرات مسيرة. مع ذلك، كانت الأمسية باهتة، والتوقّعات أصابت في جزئها الأكبر ما عدا خسارة "المخطئون" لراين كوغلر المرشح لـ16 جائزة "أوسكار" (رقم قياسي في تاريخ الجائزة) أمام "معركة تلو أخرى" لبول توماس أندرسون الذي حصد ست جوائز "أوسكار" من أصل 13 كان رُشِّح لها.

هكذا قررت هوليوود فجأةً ان ترد الاعتبار إلى واحد من أعظم السينمائيين المعاصرين الذي سبق ان رُشِّح 14 مرة من دون ان ينال الحظوة يوماً. تخيلوا ان PTA لم يفز  يوماً بـ"أوسكار" افضل إخراج عن "ستُرهق الدماء" رغم عظمته. لحسن الحظ حاولت الأكاديمية اصلاح هذا الخلل، قبل ان ينضم مخرج الروائع إلى قائمة السينمائيين الذين، من هيتشكوك إلى كوبريك فولز، لم ينالوا يوماً جائزة أفضل مخرج.

كالعادة، استغل الفنّانون حضورهم لإيصال رسائل سياسية واجتماعية،  بعضهم انتقد وكالة الهجرة والجمارك الأميركية بعد حادثة مينيابوليس، بينما دعا آخرون، بينهم الممثّل الإسباني خافيير بارديم، إلى إنهاء الحرب ودعم فلسطين. تولّى تقديم الحفل الفكاهي كونان أوبريان، الذي لم يفوت الفرصة لتوجيه إشارات ساخرة إلى دونالد ترامب، كما سخر من تود ساراندوس (رئيس "نتفليكس") وتيموتي شالاميه الذي كان تفوّه بشيء عن الباليه والأوبرا وضعه في مرمى نيران المتعصّبين للفنّين.

اذاً، تصدر فيلم "معركة تلو أخرى" المشهد بعدما نال ست جوائز، بينها أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل سيناريو مقتبس، إضافة إلى أفضل ممثّل ثانوي (شون بن) وأفضل مونتاج وأفضل اختيار للممثّلين. الفيلم منفصل عن الواقع ومتّصل به في خيط رفيع، يحركه أندرسون على مزاجه ببراعة لا مثيل لها. تدور الأحداث مكانياً في أميركا ما، حيث الاستقطاب السياسي على أشدّه، لكن زمن الأحداث لا يعلنه المخرج بصراحة ولا تكشفه الأحداث، لكن كلّ التفاصيل هنا تساهم في اقناعنا بأننا في الراهن، من أزمة اللاجئين إلى خطاب التفوّق العرقي فالاصطفاف السياسي العنيف بين يمين متطرف ويسار راديكالي، والصراع هذا سيكون شغل الفيلم الشاغل، كما سيشغل شخصياته أيضاً. في هذه الأجواء المتوتّرة، تظهر فرقة من الثوار تطلق على نفسها اسم "مجموعة 75 الفرنسية"، يزرع أفرادها القنابل ويقتحمون المصارف، وفي مرصادهم الأمبريالية العالمية والنظام الرأسمالي. يبدأ الفيلم بواحدة من تلك العمليات المنظّمة، حيث تهاجم الفرقة مركزاً للاجئين على الحدود المكسيكية لتحرير المحتجزين فيه. في ذلك المشهد الافتتاحي، سنتعرف إلى الشخصيات الثلاث المحورية التي يدور عليها الفيلم: بوب (ليوناردو ديكابريو)، حبيبته برفيديا (تييانا تايلور) والكولونيل لوكجو (شون بن). عشرون دقيقة كافية لتأسيس المعضلة، ووضع المدنيين في مواجهة العسكر، وحفر هوة ضخمة بين الامتثال والمثالية.

أول ما يلفت في الفيلم هو إيقاعه الجهنّمي، ذلك الإيقاع القاسي الذي يرويه أندرسون بإحكام بالغ، متنقّلاً بين مناخات متباينة عبر لعبة تركيبية مدهشة، وهذا كله مصقول بالفورما السينمائي العريض والمشهدية الواسعة التي أصبحت علامته. تلعب موسيقى جوني غرينوود، دوراً أساسياً في ربط هذه الفصول وصناعة توتّرها الداخلي. المَشاهد ينصهر بعضها ببعض بانسيابية مذهلة وكيمياء فريدة. حتى حين تتبدّل الأمكنة، نجد أنفسنا داخل وحدة سردية متماسكة، كما لو كنّا في قوقعة تنزلق بنا بثبات إلى الأمام. هذا الجانب من الفيلم، إن دلّ على شيء، فعلى موهبة أندرسون في إخضاع الزمن لإرادته، مطوّعاً إياه لخدمة الإحساس والمتعة، لتصلنا التجربة بأكملها كصفعة صريحة على الوجه. جمالياً، يطوّر الفيلم لغته البصرية في مدار بعيد عن الزخرفة؛ الصورة هنا محض وظيفية، لكنها قادرة على التقاط كلّ شيء. لا جمالية من أجل الجمالية. في هذا الفيلم، اللقطة المناسبة والمطلوبة هي نفسها اللقطة الجميلة.