يرسم الصور كما يكتب تولستوي الكتب... فرنسا تعيد اكتشاف البلجيكي فرانس مازريل
تعيد فرنسا اكتشاف الفنان البلجيكي فرانس مازريل (1889-1972) الذي نال شهرة كبيرة في حياته، فتقيم له مجموعة من المعارض أهمها معرض استعادي شامل تحت عنوان "فرانس مازريل، فن بين الثورة والحلم" في متحف الصورة في مدينة إيبينال في منطقة الفوج، شرق فرنسا.
يضم المعرض مجموعة كبيرة من لوحاته الزيتية ورسومه بالأبيض والأسود ومحفوراته الخشبية التي كرسته كواحد من ألمع فناني عصره في مجال إعداد الرسوم خصيصا للكتب والصحف والمجلات. نتاج متنوع يكشف عن فنان متعدد الأوجه تمتع بموهبة كبيرة في التعبير من خلال الرسم والخطوط المتينة عن قضايا عصره.

عُرف مازريل بالتزامه القضايا الإنسانية ورفضه للحروب التي دمرت القارة الأوروبية. ارتبط بصداقة متينة مع أدباء معروفين فأعدّ رسوما لكتبهم ومنهم النمساوي ستيفان زفيغ (1881-1942) الذي لا تزال كتبه تتمتع الى اليوم بشهرة كبيرة، وترجمت الى عشرات اللغات ومنها العربية وبيعت منها ملايين النسخ في العالم. كان زفيغ قد أثنى على رسوم الفنان ورأى فيها إبداعا أدبيا بلا كلمات، قادرا على ترجمة عبثية الحروب وجشع رأس المال. كتب عنه قائلا: "مازريل يرسم الصور كما يكتب الروسي تولستوي الكتب. رسومه معبرة تتوجه لكل الفئات. يمكن الجميع، مهما اختلفت خلفيتهم الثقافية، فهم معانيها ورسالتها الكامنة وراء الخطوط المنفذة بالأبيض والأسود".
يبين المعرض أن الفنان كان يهجس بعدد من القضايا الحاضرة بقوة في نتاجه ومنها المدينة التي تلتهم سكانها، وصراع الطبقات وانعدام التواصل بين الجنسين. درس الفن في باريس في العشرينات من القرن الماضي حيث أنجز مجموعة من اللوحات المائية الملونة المستوحاة من حياتها الليلية كما في لوحة "المقهى الصغير" المنفذة عام 1926.

في باريس أيضا تجلت موهبته في الرسوم المنفذة خصيصا للصحافة الساخرة منذ عام 1911 وعكست موهبته ومواقفه السياسية ورفضه هيمنة العسكر وأهوال الحرب. تميز عمله الصحافي بغزارة الإنتاج إذ أنجز ما يقرب 900 رسم لصحيفة "لا فوي" السويسرية الصادرة في جنيف ما بين عام 1917 وعام 1920. استمر عمل الفنان مع الصحافة لمرحلة جاوزت النصف قرن، إذ تعاون مع خمسين صحيفة ومجلة من جنسيات مختلفة منذ اندلاع الحرب العالمية الأولى حتى عام 1970 أي قبل عامين من وفاته، ورصد في رسومه الأحداث التي هزت القارة الأوروبية وساهمت في صعود النزعة الفاشية والتعصب القومي.
في موازاة عمله في الصحافة، كان له حضوره المميز في الفنون الأخرى ومنها المسرح. نشاهد في المعرض نماذج من الأزياء والديكورات التي نفذها لعدد من المسرحيات، ومنها في إطار عمله عام 1921 مع المخرج والممثل جورج بيتوف، أحد مجددي المسرح الأوروبي.

أخيرا يكشف المعرض أن مازريل كان مبتكر الرواية المصورة الصامتة بلا كلمات ونصوص مكتوبة عند نهاية الحرب العالمية الأولى. كان يؤلف روايات كاملة تروي سيرة أبطالها فقط من خلال الرسوم. وهنا كان مجددا في أسلوب سرده تماما على طريقة السينما الصامتة.
نبض