.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
انطلق مهرجان برلين السينمائي في دورته السادسة والسبعين (12 – 22 شباط/فبراير) وسط جدال محتدم، لكنه انتهى تقريباً بإرضاء معظم الأطراف المتحاربة من أمام الشاشة وخلفها. كلّ جهة وجدت ضالتها، إلى مائدة فيم فندرز الذي أشار في بداية الحدث الألماني الكبير الذي تحوّل مرة جديدة ساحة، إلى أن رؤيته لا تتّجه نحو السياسة بمعناها المباشر. ولم يقصد بذلك الانعزال عن الشؤون العامة، بل الامتناع عن الخوض في أسئلتها الراهنة خارج سياق الأفلام، في ظلّ ما حدث ويحدث في غزة. الدليل على ذلك، أن لجنته، لم تتردّد في منح "الدبّ الذهب" إلى "رسالة تحذير" للمخرج التركي الألماني إيلكر تشاتاك، صاحب أكثر الأعمال جرأةً في تناول السياسة بأسلوب المواجهة داخل مسابقة هذا العام.
هذا التباين بين البداية والختام، امتد أيضاً إلى مستوى الأعمال المشاركة، إذ بدا واضحاً أن جودة الأفلام ارتفعت تدريجاً يوم بعد يوم. فالمتميزة منها، جاءت في النصف الثاني من المهرجان، رغم أن التقييم الشامل يستلزم متابعة معظم البرنامج الذي يضم هذا العام نحو 300 فيلم بين طويل وقصير.
آخر مخرج تركي حاز "الدبّ الذهب"، كان سميح كابلان أوغلو عن فيلمه "عسل" (2010)، وقد كتبتُ حينها أن الدببة تحبّ العسل. لكن هذه العبارة لا تنطبق على جائزة هذا العام، فلا أظن أن الدببة ستستسلم لما يعيشه عزيز (تانسو بيتشر) الأكاديمي والمسرحي المعروف الذي يُتَّهم بنشر كتابات "معادية" للدولة، في "رسالة تحذير"، قبل أن يضطر هو وزوجته وابنتهما مغادرة أنقرة إلى إسطنبول حيث سيعمل سائق سيارة أجرة. يجد الزوجان نفسيهما أمام اختبار أخلاقي: هل يمكنهما الخضوع لابتزاز السلطة حفاظاً على العمل والاستقرار؟ هذا السؤال يشكّل جوهر الفيلم، إذ يظهر لنا كيف تستطيع السلطة إجبار الإنسان على أداء أدوار لم يخترها، سواء على خشبة المسرح أو في حياته اليومية. يستند الفيلم إلى وقائع حدثت بين عامي 2016 و2019، وكان إيلكر تشاتاك شاهداً عليها.
ذهبت جائزة "الدبّ الفضّة" ("لجنة التحكيم الكبرى") إلى المخرج التركي الثاني، أمين ألبر، المعروف بمواقفه المعارضة لأردوغان. تدور الأحداث في قرية معزولة تعيش توتّراً بين مجموعتين متصارعتين. تركز القصّة على شخصية مسعود (كانر سيندروك)، رجل ممزّق بين موقعه كعضو داخل جماعته وبين تصاعد النزعة العدائية تجاه "الآخر" الذي يُوصم بالإرهاب. هذا "العدو غير المرئي" تقريباً، يشكّل حجر الزاوية في الفيلم، فالتلويح بوجوده وحده يكفي لتبرير التسلّح وتشكيل ميليشيات محلية في رعاية ضمنية من السلطات. يستعرض ألبر في فيلمه آلية "البارانويا الجماعية": كيف تتحوّل الشائعات إلى حقائق قبل الانزلاق إلى أفعال دموية.
جائزة لجنة التحكيم ذهبت إلى "ملكة عند البحر" للأميركي لانس هامر، عمل يمزج بين الحبّ في خريف العمر والتحدّيات الأخلاقية المعقّدة. يروي الفيلم قصّة سيدة مسنّة (آنّا كالدر مارشال) تعيش مرحلة متقدّمة من الخرف، في حين يحاول زوجها (توم كورتني) فرض رغباته الجسدية عليها. وتقف ابنتها (جولييت بينوش) في مواجهة هذا الصراع، مدافعةً عن حرية والدتها، معتبرةً أنها لا تمتلك القدرة على اتخاذ القرار الحر بالقبول أو الرفض. يتناول الفيلم مسألة الإرادة الحرة، وتأثير المرض في هذه الإرادة، وتعقيدات العلاقات الإنسانية، وأيضاً كيفية تدخّل الدولة والعلوم النفسية في الشؤون الأسرية، غالباً بلا جدوى، إذ لا يمكن اختزال الحياة في بروتوكولات بيروقراطية. ومنحت اللجنة أيضاً جائزة التمثيل في دور ثانوي لكلّ من مارشال وكورتني تقديراً لأدائهما الباهر الذي أضفى على الفيلم عمقاً إنسانياً.