.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في كانون الأول/يناير 2024، تحررت سوريا من النظام الأسدي الجاثم على صدور الشعب لأكثر من نصف قرن، فكانت لحظة غبطة غير مسبوقة لم تستغرق للأسف طويلاً، قبل ان تغرق البلاد في حكم اسلامي متشدّد، حمل سوريا إلى ديكتاتورية من نوع آخر. نتج من سقوط النظام وهروب بشّاره إلى موسكو، فتح العديد من السجون ومن بينها صيدانيا، شمال دمشق، الذي اشتهر باسم "المسلخ البشري"، حيث واظب الجلادون على زرع الخوف في نفوس المعتقلين وتعذيبهم نفسياً وجسدياً وتجريدهم من إنسانيتهم. هذه اللحظة وظّفها المخرج والسجين السابق توفيق صابوني للتسلل إلى المعتقل الذي أصبح مسرحاً فارغاً بلا شخصيات، وذلك مع خمسة من الناجين، في فيلم سمّاه "الجانب الآخر من الشمس" (عنوان مستوحى من عبارة "رح نوديك ورا الشمس" التي قيلت للمخرج)، شارك في قسم "بانوراما" داخل الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي (12 - 22 شباط/فبراير)، وفاز بإحدى جوائز الجمهور التي أُسنِدت الى الفيلم الوثائقي في قسم "بانوراما".
داخل جدران السجن سيعيد الناجون احياء لحظات الرعب والعنف والقسوة والجوع التي عاشوها، بعد مشاركاتهم في تظاهرات ضد النظام في بداية الثورة السورية. فالأبواب تفتح لأول مرة منذ إنشاء السجن، والكاميرا تدخل إلى بقعة كان مجرد لفظ اسمها تقشعر له الأبدان في زمن النظام. المخرج الذي اعتُقل لأنه كان يصوّر التظاهرات، يستلّ آلة التصوير مجدداً كفعل تعويض عمّا ضاع، ومحاولة لاسترداد ما سُلب. غير أن تصوير اللحظة شيء، وتصوير ما فات شيء آخر تماماً. فلهذا الأخير منطقه الخاص، ولغته التي لا بد أن تُبتَكر من الصفر. لكلّ واحد من هؤلاء الناجين قصّة وتجربة تتقاطع مع قصص الآخرين وتجاربهم: ما نسيه هذا يتذكّره ذاك، وما تعذّر على أحدهم استعادته يتكفّله آخر. عليهم ألا يكتفوا بالتذكّر، وإنما أن يستعيدوا التجربة كاملةً، أن يجسّدوها، أن يلمسوها ويشمّوها ويتحسّسوا تفاصيلها، وأن يشاهدوها بعيون مفتوحة، بعدما عاشوها يوماً مغمضي الأعين، وذلك لمرة أخيرة، قبل طيّها نهائياً.