مهرجان برلين 76: تعدّدت الضحايا والقمع واحد

ثقافة 20-02-2026 | 00:03
مهرجان برلين 76: تعدّدت الضحايا والقمع واحد
يرصد عدد من أفلام "البرليناله" وجوهاً متعدّدة للقمع السياسي، حيث تتنوّع السياقات وتتشابه الآليات.
مهرجان برلين 76: تعدّدت الضحايا والقمع واحد
معلّمة محتجزة في "رويا" لمهناز محمّدي.
Smaller Bigger

القمع السياسي من العناوين العريضة التي يلتف حولها عدد من أفلام "البرليناله" هذا العام (11 - 22 شباط/فبراير). تعدّدت ظروف الضحايا وأماكن عيشها والأنظمة التي تسحقها، لكن محاولة اسكاتها واخضاعها لرغبة سلطات متعسّفة، وصولاً إلى التصفية الجسدية، تبقى واحدة. نبدأ من الأهم: "رسائل صفراء" للتركي الألماني إلكر تشاتاك (مسابقة). فيلم يتناول الصراع الأزلي بين القيم الشخصية والضغوط السياسية في مجتمع شرق أوسطي (تركيا). نشاهد تجربة عائلة تتعرض لعواقب وخيمة بسبب موقفها السياسي، اذ تتحوّل حياة عزيز (تانسو بيتشر) الأكاديمي والمسرحي المعروف، وزوجته الممثّلة دريا (أوزغو نامال) إلى كابوس حين يُتَّهمان بنشر كتابات "معادية" للدولة، ويضطران لمغادرة أنقرة مع ابنتهما إزجي (ليلى سميرنا)، لتبدأ رحلة المنفى الداخلي في إسطنبول. يجد الزوجان نفسيهما أمام اختبار أخلاقي: هل يمكن الخضوع لابتزاز السلطة للحفاظ على العمل والاستقرار؟ هذا السؤال يشكّل جوهر الفيلم، إذ يوضّح كيف يمكن السلطة أن تفرض على الإنسان أداء أدوار لم يخترها، سواء على المسرح أو في الحياة اليومية. يستند الفيلم إلى وقائع جرت بين 2016 و2019، كان المخرج شاهداً عليها. يروي: "في تلك الفترة طُرد آلاف الفنّانين والأكاديميين بسبب توقيعهم عرائض سلمية أو ممارسات بسيطة في أماكن عملهم". لكن تشاتاك اختار أن يبتعد عن الهجوم المباشر، آخذاً القصّة من منظور زوجين يعيشان حياة مستقرة، وذلك بهدف تصوير الأثر النفسي والاجتماعي للقمع السياسي.

على مقربة من تركيا، يأخذنا "الجانب الآخر من الشمس" ("بانوراما") إلى سوريا. في كانون الأول 2024، تحرّرت البلاد من النظام الأسدي بعد أكثر من نصف قرن. سقوط النظام وهروب بشّار الأسد إلى موسكو فتحا أبواب السجون، ومنها سجن صيدنايا، الذي عُرف باسم "المسلخ البشري". هناك كان التعذيب جسدياً لكنه أيضاً ممارسة منهجية لزرع الخوف وتجريد الإنسان من إنسانيته. التقط المخرج والسجين السابق توفيق صابوني هذه اللحظة، فاتخذ الفراغ الذي خلّفه الجلادون مدخلاً سينمائياً للعودة إلى المعتقل بعدما تحوّل إلى مسرح بلا شخصيات. برفقة خمسة من الناجين، يعيد صابوني إحياء لحظات الرعب والعنف والجوع منذ الزجّ بهم في المعتقل عقب مشاركتهم في التظاهرات الأولى ضد النظام. الكاميرا تدخل إلى بقعة كان مجرد ذكر اسمها يقشعر له البدن، لتكشف عن الماضي وأثره في الأجساد والذاكرة.

قارة أخرى، زمن آخر: هذه هي الرحلة التي يحملنا اليها "نارسيسو" ("بانوراما") للمخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسّي. انها باراغواي أواخر الخمسينات، حقبة كان فيها النظام العسكري يخنق البلاد ضمن واحد من أطول الأنظمة الشمولية في أميركا الجنوبية، حيث تُدار الحياة بقبضة الخوف وتُراقَب الأنفاس. يصل الشاب نارسيسو (ديرو روميرو) إلى أسونسيون من بوينس آيريس حاملاً نبرة العصيان. سرعان ما يتحوّل إلى ظاهرة إذاعية ورمزاً للحرية المنتظرة، فيما تتسلل موسيقى الروك أن رول كنسمة شبابية، وتواجه مقاومة حراس النظام الأخلاقي والسياسي، الذين يسعون إلى شيطنتها تحت شعارات الفضيلة والأخلاق. وهكذا سيظهر القمع السياسي في كلّ جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية. الفيلم لا يسعى لإعادة بناء جريمة نارسيسو (يبدأ الفيلم من لحظة قتله)، بل لتفكيك شروطها السياسية والاجتماعية، موضّحاً كيف يشارك المجتمع بأسره في صناعة الوحوش. تلعب الموسيقى دوراً محورياً، حيث يمثّل الروك أن رول قوة تهز السلطة.

مع "رويا" للمخرجة الإيرانية مهناز محمّدي ("بانوراما")، نعود إلى الشرق الأوسط، لنتعرف إلى معلّمة إيرانية (مليسا سوزن) محتجزة في سجن إيفين (طهران) بسبب معتقداتها السياسية. لديها خياران لا ثالث لهما: اعتراف قسري في بث تلفزيوني مباشر أو البقاء في زنزانتها التي تبلغ مساحتها ثلاثة أمتار مربّعة. هذا فيلم عن الحبس الانفرادي والكيفية التي يشكّل فيها الإدراك والهوية. تستند المعالجة على الأحلام التي تقول عنها المخرجة: "حالياً في إيران، لا أرى الأحلام كوسيلة للهروب، بقدر ما هي مساحة للبقاء، لبقاء العقل نشطاً حين يكون الجسد مقيداً ومحتجزاً".

بين آسيا وأميركا اللاتينينة، لا بد من أن نعرّج على أوروبا، وتحديداً ألمانيا البلد المضيف، تزامناً مع نشر دراسة أعدّها معهد التماسك المجتمعي في ألمانيا ونُشر خلال المهرجان، ومفادها أن مستويات العنصرية في بعض الدوائر الحكومية لا تقلّ عن تلك السائدة بين عموم المواطنين. وهذا، أي الخلل داخل الدولة، هو ما يتطرق اليه، نوعاً ما، "أمن الدولة" ("بانوراما") للألماني من أصل إيراني فراز شريعة، انطلاقاً من شخصية مدعية شابة (شن إيميلي يان) تواجه العنف اليميني المتطرف في شرق ألمانيا. لكن عندما تصبح هي نفسها هدفاً، بعد نجاتها من هجمة عنصرية، تقرر التحقيق بمفردها، متحديةً أوامر رؤسائها ومعرّضة حياتها للمزيد من الخطر. الفيلم يناقش كيفية تعامل النظام القضائي الألماني مع الضحايا والسياسيين المناهضين للفاشية، طارحاً أسئلة عن الحياد والموضوعية في مواجهة التطرف.