.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
قبل سبع سنوات، كشف المخرج البرازيلي من أصل جزائري كريم عينوز عن فيلمه "حياة أوريديس غوسماو غير المرئية"، حكاية شقيقتين في خمسينيات البرازيل تفرّقهما سلطة أبٍ مستبدّ، فتسلك كلٌّ منهما مساراً متبايناً، قبل أن تكتشفا أن التمرّد والخضوع يفضيان إلى المصير عينه في مجتمع تحكمه بنية ذكورية صلبة وآليات إقصاء لا ترحم. كانت الروابط الأسرية هناك محور الرؤية، ضمن سينما تتغذّى من التمزّق.
غير أنّ المسافة شاسعة بين ذلك العمل وما قدّمه عينوز (60 عاماً) يوم السبت الماضي ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي (12 – 22 شباط/فبراير) بعنوان "تشذيب شجيرات الورد". من العرض الصحافي خرجنا بإحساس طاغٍ بالاختلاف، بعد سلسلة أفلام دارت في فلك المألوف والقوالب التقليدية. هنا نحن أمام عمل صدامي، فَجّ في مادته البصرية، مستفِزّ في مقارباته، لا يهادن ذائقةً تبحث عن متعة سهلة. فيلم يعلن نبرته منذ اللقطة الأولى، ويطالب متلقّيه بأن يعرفوا سلفاً أنهم على موعد مع تصاعد منهجيّ في العنف والتفكّك والتآكل الأسري، وصولاً إلى ما يشبه هبوطاً بطيئاً إلى الجحيم.
إذا كان "أوريديس غوسماو" قد عالج العائلة كضحية منظومة اجتماعية، فإنّ "تشذيب شجيرات الورد" يقاربها كأرض اشتباك مفتوحة، حيث الروابط الحميمة تتحول إلى أدوات ضغط وقهر. فيلم يشهر سؤالاً غاية في الأهمية: ماذا يتبقّى من العائلة حين تنقلب إلى فضاء خانق؟
بهذا الانتقال الحاد، يواصل عينوز تفكيك تيماته المأثورة، كالهوية والمنفى الداخلي وصراع الرغبة والواجب، لكن عبر لغة أكثر قسوةً وحدّة، كأنّه يستبدل الميلودراما بتشريحٍ لا يخشى الخدش. والنتيجة: عمل إشكالي قد ينفّر شريحة من الجمهور، لكنه يرسّخ حضور مخرجه كصوت سينمائي لا يركن إلى التكرار، ولا يتردد في المغامرة داخل التجربة الإنسانية.
الفيلم إعادة قراءة معاصرة لـ"القبضات في الجيوب" لماركو بيللوكيو، غير أن عينوز لا يكتفي بالاقتباس، بل يُخضع النصّ لإعادة تركيب، مطعِّماً إيّاه بما لم يكن ممكناً تصويره في إيطاليا الستينيات، وفي سياق اجتماعي كان يقدّس العائلة باعتبارها مؤسسة فوق النقد. هنا، تتحرّر الحكاية من قيود زمنها الأصلي، وتُدفَع إلى مناطق أكثر جرأةً حيث لا محظورات. مقاربة عينوز لمفهوم العائلة تغيّرت بوضوح منذ "حياة أوريديس…". فبعدما كانت ضحية منظومة اجتماعية أوسع، غدت بؤرة عطب. ومع ذلك، تبقى القسوة تجاه هذا الكيان الذي يُخضع الإنسان منذ ولادته، ويشكّل وعيه ويصوغ مصيره، حاضرة كما كانت، لكنها هنا مدفوعة إلى أقصاها، إلى حدّ يضع الفيلم في منطقة معلّقة بين برودة التشريح عند ميشائيل هانيكه، واستفزازية الجسد والسياسة لدى بروس لا بروس، وعبثية القسوة المُنظَّمة التي تميّز سينما يورغوس لانثيموس.

وقد تراءى اسم لانثيموس لأحد النقّاد في شارة البداية، غير أن الحاضر فعلياً في التترات هو كاتب السيناريو اليوناني إيفتيميس فيليبو، الشريك الإبداعي للانثيموس، والذي كتب معه أعمالاً عدّة منذ البدايات وصولاً إلى "أنواع اللطف" (2024). وهذا الحضور ليس تفصيلاً عابراً، فالنبرة العالية والإيقاع المتوتّر، بالإضافة إلى الحوارات المقطّعة، جميعها تحمل بصمته. غير أن عينوز يضيف إلى هذا الهيكل طبقات شخصية كثيفة، كما لو أنه يصنع فيلماً يتعمّد أن يسكب فيه ”أمراضه“ وهواجسه وهذياناته الخاصة، غير آبهٍ بما قد يخلّفه ذلك من صدى مزعج أو شعور خانق لدى المُشاهد. النتيجة: عملٌ لا يطلب التعاطف بقدر ما يفرض المواجهة، مراهناً على الإزعاج كأداة جمالية، في تجربة سينمائية عصيّة على الهضم أو التصنيف السهل.
يتشكّل الفيلم من سلسلة لقطات متتابعة تتعمّد حشد كلّ ما قد ينفّر المُشاهد (مع الوقوع في فخّ المجانية أحياناً): دماء، تلميحات إلى زنا المحارم ومشاهد تراهن على العنفين النفسي والعاطفي… عناصر صادمة، نعم، لكنها موظّفة ضمن استراتيجية تفكيك. ينقل عينوز الحكاية من إيطاليا إلى إسبانيا، حيث تقيم عائلة أميركية تركت بلادها للعيش في أوروبا، في اقتباس حرّ يبدّل الجغرافيا ليختبر الفكرة خارج سياقها الكاثوليكي المحافظ الذي اشتغل عليه بيللوكيو. هنا، العائلة مختبر مغلق لتجارب السلطة والرغبة والاختلال.
الراوي هو إدوارد (كالوم ترنر)، أحد الأشقاء، ومن خلال وجهة نظره اللمّاحة والساخرة نتابع تفاصيل هذا الكيان المهزوز. يصف أفراد عائلته ببرودة تكاد تكون تشريحية، مميزاً بينهم، جاك (جايمي بل) الذي يراه مختلفاً عن الآخرين، لا بل إنه الأخ الذي يعكس ضعفهم جميعاً. جاك، بدوره، يعيش شبه عزلة عاطفية مع حبيبته (إل فانينغ)، يقضي معها الوقت بين الثرثرة والالتحام الجسدي، كأن العلاقة ملاذ موقت من عطب العائلة.
هناك أيضاً شقيق ثالث مصاب بالصرع (لوكاس غايج)، حضوره الجسدي استعارة للبنية كلّها، وأخت (رايلي كيوغ) تكاد تكون فائضة عن السرد حتى اللحظة الأخيرة، حين يمنحها الفيلم وظيفة متأخّرة. أما الأم (باميلا أندرسون) فيُقال لنا إن الذئاب التهمتها (تفصيل عبثي يكرّس الطابع الأسطوري والكابوسي للحكاية، مجرداً الأمومة من قدسيتها التقليدية). من هذه العناصر يصوغ الفيلم عالماً عبثياً إلى حدّ أن أحد المشاهدين سأل رفيقه عند الخروج: ”ماذا يفيد فيلم كهذا الإنسانية؟“.
سؤالٌ لا يقلّ عبثية عمّا شاهدناه طوال ساعة ونصف ساعة من الاشتباك الكامل مع القيم التي يُفترض أنها العمود الفقري للعائلة. في دورة هذا العام من المهرجان، حيث بدت الأفلام أقصر نسبياً، يأتي هذا العمل مكثّفاً، بلا ترهّل، ناسفاً المفهوم الرومنطيقي للعائلة من دون أن يترك خطّ رجعة أو مساحة عزاء. مقاربة عينوز ليست أحادية النبرة أو فكرية صرفة. ثمة لحظات هزل أسود تتغلغل كالمواد السامة إلى الشرايين، وأخرى تُبنَى عمداً على الصدمة باعتبارها وسيلة إيقاظ. في المحصّلة، نحن أمام فيلم يسائل موروث الأمس بعين اليوم، انطلاقاً من سؤال: ماذا يبقى من "قدسية" العائلة حين نعيد النظر فيها بلا أوهام؟