علي بن تميم يقدّم كتابه عن المتنبي في جامعة كولومبيا
بعد الندوات التي عُقدت حول كتابه "عيون العجائب في ما أورد أبو الطيب من اختراعات وعجائب" (مركز أبوظبي للغة العربية)، حلّ الدكتور علي بن تميم ضيفاً على ندوة الدراسات العربية في جامعة كولومبيا (نيويورك)، وقدّم كتابه الجديد للباحثين والطلاب الجامعيين، وناقش معهم مفهوم الاختراعات والعجائب في شعر المتنبي. وندوة جامعة كولومبيا هي منصة أكاديمية عريقة تجمع الباحثين لمناقشة اللغة العربية وآدابها وتاريخها وثقافتها.
قدّم الندوة واللقاء الدكتور محسن جاسم الموسوي، رئيس ندوة الدراسات العربية في جامعة كولومبيا، وتوقّف عند المكانة المتميزة التي يمثّلها كتاب بن تميم في سياق الدراسات حول المتنبي، وعند أهمية المقاربة النقدية ومعطياتها المتجددة.
علي بن تميم، وهو أول باحث إماراتي وخليجي يحاضر في جامعة كولومبيا، تناول المتنبي بوصفه شاعراً مخترعاً ومفكراً خلاقاً أعاد تشكيل حدود المعنى في الشعر العربي. وأوضح أنه لم يكن بارعاً في الأسلوب فحسب، بل صاحب رؤية لغوية وفكرية ابتكرت صوراً ومعاني لم يسبقه إليها أحد، وجعلت من القصيدة مساحة للتفكير في الهوية والوجود واللغة.
ومن أبرز محاور الحديث اختراع أبي الطيب العلاقة أو الاتحاد بين الحصان والكتاب، بين الفعل والمعرفة. فعندما قال المتنبي: "أعزّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ / وخيرُ جليسٍ في الزمان كتابُ"، فهو كان يعلن تصوراً جديداً يجمع الخيل بالمكتبة، ويوحّد القوة بالمعرفة في رؤيةٍ واحدة، تشكّلت أولاً في الفسطاط بمصر.
وتناول بن تميم اختراعاً آخر في بنية ديوان المتنبي؛ إذ رتّبه بمنطق دقيق يكاد يكون سيرة ذاتية شعرية: تبدأ القصيدة الأولى بالوداع والرحيل على إيقاع السفر وهو يغادر أهله شاباً، وتنتهي القصيدة الأخيرة بالإيقاع نفسه، وداع ورحيل ولكن عائداً إلى أهله. هذا التناظر المحكم يكشف أن ديوان المتنبي مبني كبنية حياة كاملة، وأن ترتيب القصائد يروي مسار تجربته الإنسانية. وبهذا المعنى، ابتكر المتنبي شكلًا جديدًا للديوان: ديوان يفكّر ويخطّط ويحكي سيرة صاحبه عبر الشعر نفسه، أمرًا لم يسبقه إليه شاعر.
أما كتاب الدكتور علي بن تميم فيركز أساساً على إعادة قراءة شعر أبي الطيب المتنبي من زاوية الابتكار والاختراع الشعري. وهو يقوم على فرضية أن المتنبي لم يكن شاعراً كبيراً فحسب، بل كان مخترعاً لغوياً وجمالياً ابتكر معاني وصوراً شعرية لم يسبقه إليها أحد.
وبغية دراسة مفهوم الاختراع الشعري في تجربة المتنبي، يختار المؤلف نحو 40 بيتاً من شعر المتنبي ويحللها بوصفها نماذج على الابتكار الفني واللغوي. ويحاول تجاوز النقاشات التقليدية حول المتنبي والتركيز على قدرته على إعادة تشكيل الرموز والمعاني الشعرية.

ينطلق بن تميم من فكرة أنّ القيمة العليا في الإبداع هي إضافة شيء جديد لم يسبق إليه المبدع، سواء في العلم أو الأدب. ويطبّق ذلك على المتنبي عبر ابتكار (المتنبي) الصور الشعرية، وتركيبه المعاني بطريقة غير مسبوقة، وتوسيعه طاقة اللغة العربية التعبيرية.
ويرى المؤلف أن المتنبي تناول قضايا سياسية وأخلاقية عميقة، وقدّم رؤى إنسانية عامة تتجاوز عصره. وأعاد أيضاً تمثيل موضوعات مثل المرأة والبطولة والذات بصورة غير تقليدية.
يمثل كتاب بن تميم قراءة حداثية جديدة للمتنبي، ومحاولة لإعادة اكتشافه بعيداً عن القراءات التقليدية. ويسعى إلى إبراز المتنبي كشاعر ابتكار لا كشاعر بلاغة فقط. ويصوّر المتنبي باعتباره صانع معانٍ وصور تتجاوز الزمن، وكأن لغته تمثل اختراعاً ثقافياً متجدّداً.
نبض