لونا معلوف وجينيفر حدّاد في "غاليري آرت أون 56" الواقع والحكاية
منصور الهبر
تجمع "غاليري آرت أون 56" بين مسارين فنيّين نشآ من وعي لونا معلوف وجينيفر حدّاد بالشرخ الاجتماعي والسياسي الذي ينهش محيطهما. لا تقدّم الأعمال مشاهد جمالية معزولة، بل تصوغ موقفًا بصريًا إزاء واقع يعاد فيه إنتاج العنف والنزوح والمحو بشكل دائم. هنا يأتي الفن أداة مساءلة تكشف الإقصاء في منطقة مهدّدة على الدوام بالتفكك.
لونا معلوف
تعمل لونا معلوف بعينٍ مشدودة إلى الداخل، إلى ما يدور في الذهن والروح، كما تولي الطبيعة الممهورة بالإسمنت عنايةً خاصة بوصفها خطوةً ملحّة للغوص في تجربة فنية شديدة التفرد. بدايةً، تُخضع منجزاتها لقواعد صارمة تعود إلى إخلاصٍ لنهجٍ أكاديمي من حيث تأليف الموضوع وتوزّع الأشكال. دقّة الرؤية هي ما تمنحها طاقةً دافعة لإحالة هذا الجماد الكبير والعابر إلى واقعٍ تخييلي يبتعد عن الإنشاء السياحي، وينحاز إلى فنٍّ خالص. الفنّ هو العتبة التي نقف عندها لمعاينة ظلال الشرفات، وملاقاة الشجر، والأحياء الرمادية، وهذه القناطر المضيئة والدروب حين تغيب.

"في زمن العزلة، بعد ثِقَل الجائحة، ومرض والدتي، وأصداء الحرب"، تحتفي بالطبيعة مسحة كآبةٍ وجوّ غائم. غير أنّ هذا القلق لا يعود يثقل علينا، لأن الفنانة معلوف تجاوره بالمساحات البيضاء وألوان الزهر، وبالأصفر الذي يظلّ يبرق في أرجاء الأعمال كغدٍ آتٍ. نكتشف لديها مفهوم التوازن في رحلةٍ بين الذاكرة والطبيعة، بين الألم والرجاء.
جينيفر حداد
ينطلق نشاط جينيفر حدّاد من انخراطٍ عميق مع المجتمعات المهمَّشة في بيروت. أثناء عملها في اختيار الممثلين لفيلم "كفرناحوم"، أمضت أشهرًا في مخيّمات اللاجئين والأحياء المهمَلة، حيث شهدت يوميات موسومة بالإقصاء الاجتماعي والهشاشة الاقتصادية.
من خلال مواد مختلفة، تستكشف جينيفر حدّاد الحالة الإنسانية، فتستخدم التجريد والصورة الخام لمواجهة حقائق غير مريحة. تتناول أعمالها قضايا زواج القاصرات، وعمالة الأطفال، والتشرّد، لا بهدف الصدمة بل إصرارًا على التعاطف. قد تبدو لوحاتها للوهلة الأولى ملوّنة أو طفولية، غير أنّ هذا الإشراق يقف في تضادّ مع عتمة الموضوع.

يصير الرسم فعلَ مقاومةٍ وإعادةَ إنسنةٍ للأطفال والنساء والرجال الذين يحملون أعباء الصراع. تستخدم الأكريليك، والألوان المائية، وقلم الرصاص والحبر الجاف لاستحضار الحضور والغياب. ومن خلال مزج التعبيرية التجريدية، والسوريالية الساذجة، ورموز المدينة، تكشف منجزاتها الآثار النفسية للتهميش، مُحوِّلةً الفضاءات المُهمَلة إلى ذاكرةٍ جماعية تُظهر صلابة الناس.
نبض