ماتيس في بوردو: سمفونية الألوان تعزف على جدران الضوء
دشّن مركز الفنون الرقمية في مدينة بوردو المعروف باسم "أحواض الأنوار"، موسمه الجديد بعرض استثنائي بعنوان "ماتيس، سمفونية الألوان" للتعريف بعالم الفنان الفرنسي هنري ماتيس (1869-1954). مع انطلاق الحدث، تحول المركز الذي يعد أكبر محترف للفنون الرقمية في العالم، إلى مسرح هائل للصور الرقمية المتحركة التي تطالعنا على الجدران العملاقة والمضاءة، لتروي لنا سيرة ماتيس، أحد كبار رواد الحداثة الأوروبية ومن أكثر الفنانين التشكيليين شهرة وتأثيراً في العالم.
يعتمد العرض على أحدث التقنيات الرقمية التي تستعيد لوحات الفنان المعروفة مع التركيز على علاقته بالألوان الصافية التي عشقها ومنها الأزرق والأحمر والأصفر والأخضر. هذه العلاقة الفريدة مع الألوان ظهرت منذ بداياته الفنية كما في لوحة "الفخامة، الهدوء والمتعة" التي أنجزها عام 1904 مستعيراً عنوانها من قصيدة للشاعر الفرنسي شارل بودلير وفيها عبر الفنان عن تعلقه بالسفر وهو موضوع أساسي في حياته وأعماله.

يبيّن العرض الافتراضي أيضاً أن تحرير الألوان كان من أهداف مشورع ماتيس الفني طوال حياته بالأخص منذ اكتشافه للنور المتوسطي الذي أحدث تحولا في منهجه الفني وحرره من قيود الرسم والتخطيط. بعد لوحة "الفخامة، الهدوء والمتعة" جاءت لوحة "المرأة ذات القبعة" عام 1905 التي عُرضت في صالون الخريف في "متحف القصر الكبير" في باريس وأحدثت صدمة كبيرة لدى زوار المعرض لاعتمادها على الألوان الحارة والجريئة بدون لعبة الضوء والظل. وترتدي المرأة في اللوحة قبعة كبيرة الحجم عليها مجموعة من الريش والزهور. في عام 1906 أنجز ماتيس لوحة "فرحة الحياة" التي عبر فيها عن مفهومه الشخصي للسعادة.
يتوقف العرض عند أسفار الفنان ومنها إلى الأندلس والجزائر والمغرب عام 1912 و1913 وكانت بمثابة كشف له حتى أنه كتب "الشرق أنقذنا، وجاءني الوحي من الشرق" بعد احتكاكه بضوء وألوان وفنون تاريخية من نوع جديد فتحت له آفاقاً لم يألفها فنه من قبل.

بموازاة أسفاره التي جعلته يقيم علاقة جديدة مع المدى والضوء واللون سعى ماتيس إلى تجسيد حركة الجسد كما في لوحة "الرقص" التي أنجزها عام 1910 وكانت بمثابة أنشودة للحياة والتحرر وأصبحت لاحقا من أشهر أعماله.
أما لوحة "المحترف الأحمر" (1911) وموضوعها محترف الفنان حيث يعمل وفيه لوحاته المعلقة على الجدران، فمهدت لسلسلة من اللوحات يطغى عليها الأحمر كما في لوحة "سمك أحمر في إناء" (1914). هنا الأحمر إيقاع وموسيقى وديكور وإحساس بالجمال الصافي. وهذا ليس بغريب على ماتيس الذي كتب "ثمة أزهار في كل مكان لمن يريد أن يراها". وهي عبارة تطالعنا في العرض السمعي البصري مع عبارات أخرى للفنان تختصر ثقافته الواسعة وإصراره على التعلم باستمرار.

اشتهر ماتيس بقصاصاته الورقية فهو كان مولعاً بقصّ الورق وبالأخص في أواخر حياته بين عام 1937 وعام 1954 حيث استعاض عن الفرشاة والألوان الزيتية بالمقص والأوراق الملونة ليصوغ منها مفردات فنية جديدة كالنجوم والسماوات وقاع البحر وأوراق الشجر. كان مريضاً ومستلقياً على سريره لكنه لم يتوقف يوماً عن العمل ووصف هذه المرحلة بأنها "الرسم بالمقص". سمحت له هذه التقنية بابتكار تصاميم للكتب والسيراميك والنوافذ الزجاجية كما في الكنيسة الصغيرة في بلدة سان بول دوفنس في الجنوب الفرنسي. نتعرف أيضاً على الشخصيات المنفذة بالورق المقصوص كما في لوحته الشهيرة "حزن الملك" التي اعتمدت على الألوان الحادة والأشكال المبسطة.
عرض "ماتيس، سمفونية الألوان" الممتد 45 دقيقة، استعادة جميلة وشاعرية تتوجه لجمهور واسع من مختلف الأعمار والثقافات ومن الأكيد أنه ينمي الذائقة الفنية والحشرية الثقافية لدى الأطفال والمراهقين ويأخذهم الى مطارح أخرى بعيداً عن وسائل التواصل الاجتماعي وهيمنة الابتذال. ما يزيد من قيمة العرض الخلفية الموسيقية التي ترافق اللوحات وهي متنوعة ولمؤلفين من جنسيات مختلفة ومنها للثلاثي الفلسطيني الأخوة جبران وقد استمعنا الى مقطوعتهم في الفقرة المخصصة لرحلة ماتيس إلى المغرب.
نبض