100 عام على ولادة يوسف شاهين: نشيد حرية في عالم محكوم

ثقافة 29-01-2026 | 10:43
100 عام على ولادة يوسف شاهين: نشيد حرية في عالم محكوم
بلغ يوسف شاهين مرتبة من الأهمية والتكريس والشهرة لم يبلغها مخرج عربي قبله.
100 عام على ولادة يوسف شاهين: نشيد حرية في عالم محكوم
يوسف شاهين الذي ملأ الدنيا وشغل الناس.
Smaller Bigger

"السينما تخطف أنفاسي، أعيش هذه الحالة منذ أكثر من ستين عاماً"... هذا ما قاله لي يوسف شاهين (1926 - 2008)، ضاحكاً ببراءة طفل، في آخر لقاء جمعني به في بيروت، خلال إطلاق "إسكندرية – نيويورك"؛ فيلمه ما قبل الأخير، وهو استعادة لسيرة تنطوي على علاقة ملتبسة بأميركا، قبل أن يتحوّل لقطة بعد أخرى إلى نشيد للسينما نفسها، وكأنّ شاهين ما عاد يرى فرقاً بين حياته داخل السينما وخارجها. يومها خطر لي سؤال بسيط ومعقَّد: كيف يمكن لمخرج أن يقدّم فيلماً شديد الذاتية من دون أن يفقد المسافة الضرورية مع موضوعه؟ أجابني شاهين بأنّ التجربة لا تُخلَّد إلا بعد أن تُعاش مرات لا تُحصى: تُعاش في الكتابة، وتُعاش في التصوير، حتى تستقر أخيراً على تلك الشاشة البيضاء. كانت أفلامه، كما قال في ذلك اليوم، محمّلة بالحنين والعاطفة، وهذا ينسحب أيضاً على علاقته بأستاذته الأميركية التي آمنت به ودافعت عنه بشراسة، لأنها لم تفهم كيف يمكن لبلد عظيم كأميركا أن يتخلّى عن طفل جاء من "آخر الدنيا" متأبّطاً حلمه.

بلغ شاهين مرتبة من الأهمية والتكريس والشهرة لم يبلغها مخرج عربي قبله، وتُوِّج دولياً يوم نال الجائزة الخاصة لمهرجان كانّ في يوبيله الذهب عام 1997. انطلق من هموم المجتمع المصري وشؤونه ليخاطب العالم بلغة سينمائية حديثة وفكر تقدّمي يجمع بين التمسّك بالجذور ومحاولة التماهي مع الآخر المختلف. هذا كله من دون أن يخجل من قول "هذا أنا، وهذا تاريخي وهؤلاء ناسي". أعماله، التي لطالما تناسلت منها جدالات واسعة ومنع واستبعاد وسوء فهم، لم تكن يوماً مغلقة على تفسير واحد، بل بقيت قابلة لإعادة القراءة مع تغيُّر الأمزجة. حتى إنّ بعضها تنبّأ بما ستؤول إليه الأحوال، كما الحال مع "هي فوضى"، وصيته السينمائية التي رأى فيها ثورة 25 يناير، التاريخ الذي ولد فيه قبل 100 عام.  

استعان شاهين بتقنيين أجانب، ليتحوّل أحد رموز التعاون الشرقي - الغربي، من دون أن يتخلّى عن الروح المصرية الخالصة، وهذا ما جعله سينماه وثيقة حيّة تساعدنا في الاطلاع على حقبات مختلفة. نتيجة ذلك، جاءت أفلامه متقدّمة بصرياً وسمعياً، قياساً إلى مجمل الإنتاج المصري آنذاك. تخطّى مجده حدود الجغرافيا العربية، ليصبح السينمائي العربي الوحيد الذي عرفه الجمهور الأوروبي المثقّف والمطّلع والفضولي، اسماً ووجهاً، خصوصاً في فرنسا التي احتضنت تجربته وانتصرت لها ودعمتها.

زحلاوي الجذور، إسكندراني حتى النخاع الشوكي، فرنكوفوني وكوزموبوليتي الهوى، متنوّر حرّ، هذا بعض ممّا كان عليه شاهين الذي اجتمعت فيه الأضداد والهويات والثقافات، وحتى الميول الجنسية. درس شكسبير، ومثّل وأخرج على مسرح "فيكتوريا كوليدج" في الإسكندرية، قبل سفره عام 1946 إلى الولايات المتحدة لدراسة التمثيل والإخراج في جامعة باسادينا. هناك، أدرك أنّ مكانه الحقيقي هو خلف الكاميرا لا أمامها، فابتعد عن حلم النجومية التقليدية، رغم أنه سيجسّد لاحقاً دوراً أيقونياً: قناوي في "باب الحديد". منذ ذلك الحين، بحث شاهين عن "أنا" بديلة، فمثّل عبر ممثّليه، وترك أسلوبه الخاص يتبلور في كثافة التعبير وسرعة الحركة.

أخرج فيلمه الأول، "بابا أمين"، بطولة فاتن حمامة، عام 1950، وهو في الرابعة والعشرين، في سنّ كان أنجز فيها أورسون ولز تحفته "المواطن كاين“. منذ طفولته، سحرته المشهدية، حركات الكاميرا، الاستعراض، الفنّ بكلّ أشكاله، ولكن كانت الشاشة نافذته لفهم الحياة والتعبير عن نظرته المختلفة والمنفتحة إليها.

في أفلامه الأولى، أظهر اهتماماً عميقاً بالريف المصري وحياة الفلاحين. صوّر معظم مشاهد فيلمه الثاني "ابن النيل" خارج الاستوديو، وقدّم شكري سرحان في صورة المصري البسيط. حقّق العمل نجاحاً تجارياً لافتاً، وأثبت أنّ المكان في سينماه ليس مجرّد خلفية، وإنما دلالة نفسية تعبّر عن صراع الإنسان بين "الأنا" و"الآخر".

لم تخلُ بداياته من نقد لاذع للبورجوازية، ممّا ظهر مبكراً في "المهرج الكبير"، قبل أن يبلغ ذروته مع "صراع في الوادي" عام 1954؛ العمل الذي شكّل منعطفاً حاسماً في مسيرته. قدّم فيه إدانة صريحة للإقطاع، ورسالة حبّ إلى مصر وفلاحيها، كاسراً تقاليد النهاية السعيدة، حين ترك الظلم يبلغ مداه. واكب الفيلم أيضاً انطلاقة عمر الشريف الأولى.

 

شاهين في ”باب الحديد“ تمثيلاً وإخراجاً.
شاهين في ”باب الحديد“ تمثيلاً وإخراجاً.

 

مع "باب الحديد" (1958)، بلغ شاهين ذروة الطليعية الفنية. هذه التحفة، التي تُعد اليوم من أعظم الأفلام العربية، تجري أحداثها خلال يوم واحد في محطّة قطار، حيث تتقاطع مصائر شخصيات مسحوقة. جسّد شاهين في دور قناوي إنساناً مشوّهاً جسدياً ومكسوراً نفسياً، وانتزع، بفضل بناء سينمائي مُحكم، تعاطف المتفرج مع شخصية إشكالية إلى أبعد حدّ.

بعد ثورة يوليو، عكست أفلام شاهين الواقع الاجتماعي المأزوم والرغبة في التغيير. انخرط في السياسة مباشرةً مع "جميلة" (1958)، تحيةً إلى الثورة الجزائرية، ثم دخل مرحلة نضجه مع "الناصر صلاح الدين" (1963)، الذي وضع السينما العربية على خريطة الإنتاج الضخم. جاءت هزيمة 1967 لتعيده إلى مواجهة الذات والوطن، فأنجز رائعته "الأرض"، حيث تحوّلت قصّة الفلاح إلى ملحمة إنسانية عن مقاومة القهر. رأى شاهين في النكسة هزيمة مشروع حضاري لا هزيمة شعب، وجعل من الفيلم بياناً بصرياً عن استمرار النضال رغم الانكسار. طوت "الأرض" مرحلة، وبدأت أخرى أكثر التصاقاً بالتحولات السياسية والاجتماعية، فكانت مرحلة "الاختيار" و"العصفور" (الأخير عن نضال المصريين من أجل استرجاع سيناء)، فـ"عودة الابن الضال". بلغت هذه المرحلة ذروتها مع "إسكندرية... ليه؟" (1978)، قصيدته السينمائية لمدينته الأم، تلتها "حدوتة مصرية" و"إسكندرية كمان وكمان"، فاكتملت ثلاثيته الذاتية، التي لم تفلت من تهم كثيرة، منها النزعة النرجسية والتراخي على المستوى السردي، ممّا جعل مشاهدتها شاقّة على المتفرج غير المُلمّ بعالم شاهين السينمائي. لكن، مع ذلك، فرض نفسه أولَ مخرج عربي ينغمس في الذاكرة. 

بصرياً، أحبَّ حركات الكاميرا، وكان يؤمن أنك لا تحتاج إلى أن تكون مخرجاً لتُصوّر فيلماً ينطوي على لقطات ثابتة، فقد ينجح عسكري أيضاً في تلك المهمّة. في حواري معه، قال: "لا أحبّ العادات التي تصنّفك في إطار "دوغما" معينة، وأجد التسميات كافة "بايخة" ومن دون معنى. يجب عدم أخذ قرارات تصويرية مُسبقة، والمشهد هو الذي يفرض عليك طريقة تصويره (...). أستطيع ان أجلس معك وأناقش معادلة الشكل - المضمون على مدى سنتين. باختصار، أقول: على الشكل أن يكون في خدمة المضمون". 

أفلامه منذ منتصف التسعينات (مرحلة دشّنها "المهاجر")، ورغم تفاوت مستوياتها، اعتمدت إزعاج الرقابة ومختلف التيارات المتعصّبة في بلاده. "كلّ كتاب جيد يتضمّن أفكاراً جريئة مصيره المنع، ممّا يجبر الأكثرية على الرقابة الذاتية"، قال ذات يوم. مبدأ لم يلتزم به، فظلَّ السليط الذي لا يتوانى عن نعت جورج بوش الابن بـ"الحمار" خلال مؤتمر صحافي غداة 11 أيلول. في نهاية التسعينات، جاءنا بـ"المصير"، صرخة تنسجم مع نزعته القومية التي أراد من خلالها التأكيد على دور العرب في تأسيس حضارة إنسانية. فبينما كان الغرب يغرق في الجهل والظلمات، كان العرب ينعمون بالعلم والنور والحضارة والتقدُّم. هذا لم يمنعه من اعتبار القادة العرب جميعهم من الطغاة. فهو أبرع مَن عرف التمييز بين الأشياء، ولو أنّ مواقفه السياسية لا يُعتدّ بها دائماً. 

جاءت أفلامه الأخيرة تنويعات على تيمات رافقته لأكثر من نصف قرن: الحرّية، الهوية، الصراع، والسينما كفعل تصدٍّ ناعم. بدت كأنها خلاصة حياة. 

رحل يوسف شاهين عن 82 عاماً في صيف 2008، لكن نضاله السينمائي لم ينتهِ. ما زالت أفلامه حيّة، تُناقَش وتُعَاد قراءتها، شاهدة على مسيرة فنّان لم يُطوّعه العالم، لا بل هو الذي استدرجه إليه. لم يهمّه كيف يقول ما يريد قوله، ولا بأيّ ثمن سيقوله، بقدر أهمية القول نفسه. وكان، في الكثير من الأحيان، وحيداً في صراحته، يقول ما لم يجرؤ غيره على قوله، في عالم عربي اعتدناه إما غوغائياً أو صامتاً. اختار شاهين الوضوح والصرامة، بينما آثر كثيرون الالتفاف أو الاحتماء بالحياد.