.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
"السينما تخطف أنفاسي، أعيش هذه الحالة منذ أكثر من ستين عاماً"... هذا ما قاله لي يوسف شاهين (1926 - 2008)، ضاحكاً ببراءة طفل، في آخر لقاء جمعني به في بيروت، خلال إطلاق "إسكندرية – نيويورك"؛ فيلمه ما قبل الأخير، وهو استعادة لسيرة تنطوي على علاقة ملتبسة بأميركا، قبل أن يتحوّل لقطة بعد أخرى إلى نشيد للسينما نفسها، وكأنّ شاهين ما عاد يرى فرقاً بين حياته داخل السينما وخارجها. يومها خطر لي سؤال بسيط ومعقَّد: كيف يمكن لمخرج أن يقدّم فيلماً شديد الذاتية من دون أن يفقد المسافة الضرورية مع موضوعه؟ أجابني شاهين بأنّ التجربة لا تُخلَّد إلا بعد أن تُعاش مرات لا تُحصى: تُعاش في الكتابة، وتُعاش في التصوير، حتى تستقر أخيراً على تلك الشاشة البيضاء. كانت أفلامه، كما قال في ذلك اليوم، محمّلة بالحنين والعاطفة، وهذا ينسحب أيضاً على علاقته بأستاذته الأميركية التي آمنت به ودافعت عنه بشراسة، لأنها لم تفهم كيف يمكن لبلد عظيم كأميركا أن يتخلّى عن طفل جاء من "آخر الدنيا" متأبّطاً حلمه.
بلغ شاهين مرتبة من الأهمية والتكريس والشهرة لم يبلغها مخرج عربي قبله، وتُوِّج دولياً يوم نال الجائزة الخاصة لمهرجان كانّ في يوبيله الذهب عام 1997. انطلق من هموم المجتمع المصري وشؤونه ليخاطب العالم بلغة سينمائية حديثة وفكر تقدّمي يجمع بين التمسّك بالجذور ومحاولة التماهي مع الآخر المختلف. هذا كله من دون أن يخجل من قول "هذا أنا، وهذا تاريخي وهؤلاء ناسي". أعماله، التي لطالما تناسلت منها جدالات واسعة ومنع واستبعاد وسوء فهم، لم تكن يوماً مغلقة على تفسير واحد، بل بقيت قابلة لإعادة القراءة مع تغيُّر الأمزجة. حتى إنّ بعضها تنبّأ بما ستؤول إليه الأحوال، كما الحال مع "هي فوضى"، وصيته السينمائية التي رأى فيها ثورة 25 يناير، التاريخ الذي ولد فيه قبل 100 عام.
استعان شاهين بتقنيين أجانب، ليتحوّل أحد رموز التعاون الشرقي - الغربي، من دون أن يتخلّى عن الروح المصرية الخالصة، وهذا ما جعله سينماه وثيقة حيّة تساعدنا في الاطلاع على حقبات مختلفة. نتيجة ذلك، جاءت أفلامه متقدّمة بصرياً وسمعياً، قياساً إلى مجمل الإنتاج المصري آنذاك. تخطّى مجده حدود الجغرافيا العربية، ليصبح السينمائي العربي الوحيد الذي عرفه الجمهور الأوروبي المثقّف والمطّلع والفضولي، اسماً ووجهاً، خصوصاً في فرنسا التي احتضنت تجربته وانتصرت لها ودعمتها.
زحلاوي الجذور، إسكندراني حتى النخاع الشوكي، فرنكوفوني وكوزموبوليتي الهوى، متنوّر حرّ، هذا بعض ممّا كان عليه شاهين الذي اجتمعت فيه الأضداد والهويات والثقافات، وحتى الميول الجنسية. درس شكسبير، ومثّل وأخرج على مسرح "فيكتوريا كوليدج" في الإسكندرية، قبل سفره عام 1946 إلى الولايات المتحدة لدراسة التمثيل والإخراج في جامعة باسادينا. هناك، أدرك أنّ مكانه الحقيقي هو خلف الكاميرا لا أمامها، فابتعد عن حلم النجومية التقليدية، رغم أنه سيجسّد لاحقاً دوراً أيقونياً: قناوي في "باب الحديد". منذ ذلك الحين، بحث شاهين عن "أنا" بديلة، فمثّل عبر ممثّليه، وترك أسلوبه الخاص يتبلور في كثافة التعبير وسرعة الحركة.
أخرج فيلمه الأول، "بابا أمين"، بطولة فاتن حمامة، عام 1950، وهو في الرابعة والعشرين، في سنّ كان أنجز فيها أورسون ولز تحفته "المواطن كاين“. منذ طفولته، سحرته المشهدية، حركات الكاميرا، الاستعراض، الفنّ بكلّ أشكاله، ولكن كانت الشاشة نافذته لفهم الحياة والتعبير عن نظرته المختلفة والمنفتحة إليها.
في أفلامه الأولى، أظهر اهتماماً عميقاً بالريف المصري وحياة الفلاحين. صوّر معظم مشاهد فيلمه الثاني "ابن النيل" خارج الاستوديو، وقدّم شكري سرحان في صورة المصري البسيط. حقّق العمل نجاحاً تجارياً لافتاً، وأثبت أنّ المكان في سينماه ليس مجرّد خلفية، وإنما دلالة نفسية تعبّر عن صراع الإنسان بين "الأنا" و"الآخر".
لم تخلُ بداياته من نقد لاذع للبورجوازية، ممّا ظهر مبكراً في "المهرج الكبير"، قبل أن يبلغ ذروته مع "صراع في الوادي" عام 1954؛ العمل الذي شكّل منعطفاً حاسماً في مسيرته. قدّم فيه إدانة صريحة للإقطاع، ورسالة حبّ إلى مصر وفلاحيها، كاسراً تقاليد النهاية السعيدة، حين ترك الظلم يبلغ مداه. واكب الفيلم أيضاً انطلاقة عمر الشريف الأولى.