رحيل فينوس خوري-غاتا... صوت لبناني فرنكوفوني متفرّد

ثقافة 29-01-2026 | 11:55

رحيل فينوس خوري-غاتا... صوت لبناني فرنكوفوني متفرّد

بين الشعر والرواية، اشتغلت على الذاكرة والمنفى والفقد والهويات المنسيّة، ونسجت كتابةً شكلت جسراً بين لبنان وباريس.
رحيل فينوس خوري-غاتا... صوت لبناني فرنكوفوني متفرّد
فينوس خوري-غاتا. (Getty Images)
Smaller Bigger

توفيت الكاتبة والشاعرة اللبنانية - الفرنسية فينوس خوري-غاتا، إحدى أبرز الأصوات الفرنكوفونية في الأدب المعاصر، عن عمر ناهز 88 عاماً، بعد مسيرة إبداعية امتدت عقوداً، شكّلت خلالها جسراً أدبياً بين لبنان وباريس، وكرّست لغة شعرية وروائية خاصة اشتغلت على الذاكرة والمنفى والفقد والهويات المنسيّة.

فينوس خوري-غاتا بسطور
هي واحدة من الكاتبات اللواتي يُمكن النظر إلى مسيرتهن كجغرافيا داخلية كاملة: لبنان أرض المولد، باريس نقطة مراقبة العالم وناسه، الشعر التنفّس، والرواية كفضاء تتردّد فيه أصداء الأيام والتجارب، وكوعاء للطبقات السردية. 

تُصنّفها المكتبة الوطنية الفرنسية روائيةً وشاعرةً وناقدة أدبية. ويذكّر الأرشيف المخصّص لها في معهد الذاكرة المعاصرة للنشر (IMEC) بجذور لبنانية مشبعة بالتناقضات العائلية والمشاهد الطبيعية: طفولة طبعتها الجبال، وصيفٌ في بشرّي - القرية المرتبطة بذاكرة جبران خليل جبران - وبشكل أوسع ذلك المنبع المشرقي الذي سيعود إلى مخيّلتها بصورة شبه هاجسية.

 

فينوس خوري-غاتا. (أرشيفية)
فينوس خوري-غاتا. (أرشيفية)

 

منذ استقرارها في باريس عام 1972، فرضت خوري-غاتا نفسها سريعاً كصوت فرنكوفوني متفرّد، مشغول بالمنفى، وبسلاسل النَسَب، وبالفقد، وبتنبه حادّ إلى الشخصيات المهمَّشة (وغالباً النسائية) التي تستطيع الكتابة أن تعيد إليها كثافتها الإنسانية. يتناوب في أعمالها، منذ عقود، الشعر والرواية، ضمن استمرارية نبرة واحدة قوامها لغة بصرية، أحياناً إنشادية، تحوّل الواقع إلى حكاية من دون أن تنزعه عن أبعاده السياسية.

جوائز وتكريمات طبعت مسيرتها
جاء الاعتراف المؤسسي ليكرّس المكانة التي بلغتها، إذ منحتها الأكاديمية الفرنسية عام 2009 جائزتها الكبرى للشعر عن مجمل أعمالها، قبل أن تنال عام 2011 جائزة "غونكور" للشعر، في احتفاءٍ بمسارٍ إبداعي متكامل لا بكتابٍ واحد. وفي عام 2013، منحها "المنتدى الثقافي اللبناني" في باريس "جائزة الإبداع اللبناني"، ثم تُوّجت مسيرتها عام 2015 بجائزة "رينودو" الأدبية. ولاحقاً، قلّدتها الحكومة الفرنسية وسام جوقة الشرف عام 2018، قبل أن يمنحها الرئيس الفرنسي عام 2024 وسام الاستحقاق الوطني من رتبة الضابط الكبير.

في العمق، كتبت فينوس خوري-غاتا من دون إنكار الأرض التي غادرتها، وفي الوقت نفسه، من دون تحويلها إلى مجرد خلفية. جعلت منها لغةً شاعرية وسردية، ولعلّ بصمتها الأشد تأثيراً تكمن هنا. لبنانها وعاءٌ لروح لبنانية واضحة الملامح، في حسّها حيال الألم الجماعي، في انحيازها إلى النساء، وفي قدرتها على تحويل أوجاع البلاد إلى مادة شعرية وسردية لا تخلو من موقف أخلاقي. من باريس، تابعت ما يصيب لبنان، وشاركت شعبه جروحه، من دون خطابية أو حنين مفتعل. وبينما كان ماكرون يُكرّمها، ماسحاً دمعةً انسابت على وجنتها، قالت: "في لبنان، أناس يموتون من الجوع بصمت ولا أحد يكترث لواقعهم المأسوي".

هزائم، حروب، وعضب
مع ناديا تويني وأندريه شديد، خاضت تجربة شعرية وأدبية فرنكوفونية وُلدت بمشقّة وطبعها الحزن والغضب إزاء ما عاشه لبنان والعالم العربي من هزائم وحروب وخراب. اخترن الفرنسية لغةً للتعبير، وحوّلن الألم الشخصي والجماعي إلى كتابة مقاومة، ترثي الواقع، نعم، ولكن تواجهه أيضاً.

 

أنطولوجية شعرية لفينوس خوري-غاتا. (دار غاليمار)
أنطولوجية شعرية لفينوس خوري-غاتا. (دار غاليمار)

 

وإذا اتّخذ الحزن عند تويني شكل تمرّد شعري على الهزيمة العربية أولاً ثم الحرب الأهلية اللبنانية، مقروناً بغضب أخلاقي يفضح العنف ويدافع عن صورة لبنان الإنسان، فخوري-غاتا حملت جروح الحرب والمنفى، وكتبت غضبها وحزنها من باريس بلغة فرنسية مشبعة بذاكرة لبنانية، ولّدت من الفقد والمنفى مادةً شعريةً دائمة. والتقت تجارب الثلاثي الفرنكوفوني الخارج من الأرض اللبنانية المشبعة بالذاكرة والتاريخ، عند تحويل الحزن والغضب إلى قوة إبداعية تفضح العنف وتؤكّد الإيمان بالإنسان.

الكتابة بالفرنسية
في باريس، مثّلت خوري-غاتا، إلى جانب جورج شحادة وأندريه شديد، إحدى الركائز الأساسية للتجربة اللبنانية في الكتابة الأدبية والشعرية باللغة الفرنسية من قلب فرنسا. تجربةٌ لا ينبغي اختزالها بتوصيف "الاختيار اللغوي"، إذ شكّلت مشروعاً ثقافياً دافعت عنه الراحلة طويلاً، سواء عبر حضورها في الفضاء الفرنكوفوني العالمي أو من خلال مشاركتها لسنوات في لجان تحكيم أدبية دولية معنيّة بتكريم الإبداع الفرنكوفوني. وقد رأت في الفرنسية لغة معيشة يومية وفضاءً إبداعياً احتضن كتابتها، من دون أن يعني ذلك قطيعة كاملة مع العربية التي ظلّت حاضرة بوصفها جذراً عاطفياً ووجدانياً.

من خلال تنقّلاتها ومحاضراتها، حرصت على إبراز نتاج الكتّاب اللبنانيين الذين اختاروا الفرنسية أداة تعبير، مؤكدة أنّ الفرنكوفونية بالنسبة إليها ممارسة ثقافية ومسؤولية أدبية.

 

فينوس خوري-غاتا. (Getty Images)
فينوس خوري-غاتا. (Getty Images)

 

مع أنّها اختارت الفرنسية باعتبارها أداة أكثر ملاءمة لمحاكاة الشعر والأدب كما تتصورهما، لكنها حافظت على وشائج حميمية مع لغتها الأم. و"لولا الكتابة لما نجت من الغرق"، قالت ذات مرة؛ وفي كتابتها، ظلّ الشعر يحتل موقع الصدارة، باعتباره المجال الذي تمسك فيه بخيوط اللغة منذ الكلمة الأولى، فيما تترك في الرواية هامشاً أوسع للشخصيات كي تقود السرد. أما علاقتها بالموت والفقد، فقد تحوّلت إلى مادة مركزية في أعمالها المتأخرة، حيث واجهت العزلة والخوف بكتابة صريحة، استحضرت فيها التجربة الشخصية، كما استعادت علاقتها المعقّدة بالأسرة وبشقيقتها الأديبة والزميلة في "النهار" الراحلة مي منسّى، التي شكّلت غياباً لا يُعوَّض وذاكرة مشتركة مثقلة بجروحها والندوب، والتي كتبت عن فينوس، قبيل رحيلها عام 2019: "إن حكت، سمعنا صوت النساء، كل النساء اللواتي عبرن في قصيدتها وروايتها. نساء في صراعهن مع القدر، يغزلن بأصابعهن مرّ الحياة وقساوتها ويجعلن من مرارتها هدفاً للبقاء".

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

سياسة 2/8/2026 12:11:00 PM
ما هي المستشفيات الثمانية التي أُدرِجت على "قائمة الإرهاب"؟
Fact Check 2/3/2026 2:15:00 PM
The shocking image circulating online actually shows Abramović at a 2013 New York charity event—what looked like “human flesh” is a performance art piece, not a crime. 
دوليات 2/7/2026 6:05:00 PM
فرانك هوغربيتس يحذر من نشاط زلزالي محتمل منتصف الشهر… والعلماء يشككون