الأدب والدراما بين التاريخ والتخييل... إشكالية تجدَّدت مع عرض فيلم "السِت"
كثيرة هي الأمثلة على الجدل الذي يثار بشأن أعمال أدبية ودرامية تتناول سير شخصيات مشهورة، لجهة التزامها من عدمه بما يعتبره البعض "حقائق تاريخية" لا يجوز المساس بها. وأحدث تلك الأمثلة هو ما يتعلق بفيلم "السِّت" الذي كتبه أحمد مراد وأخرجه مروان حامد، ويتناول حياة سيدة الغناء العربي أم كلثوم، والذي يقترب الجدل بشأنه من ساحة القضاء، من جانب أسرة الفنانة الاستثنائية، التي ترى أن الفيلم أساء إليها بأن صوَّرها بخيلة وصوَّر والدها وشقيقها على أنهما جشعان، وكذلك من جانب صاحب رواية "حانة الست"، الكاتب المصري محمد بركة، الذي يرى أن الفيلم أخذ الفكرة العامة والخطوط الدرامية من روايته التي صدرت طبعتها الأولى عام 2021، من دون الإشارة إلى ذلك.
تُقدّم رواية بركة الجانب الإنساني في شخصية أم كلثوم، وهو الأمر الذي دفع كثيرين إلى اتهامه بمخالفة المستقر في الأذهان عن سيدة الغناء العربي. وعموماً يصعب حصر الأعمال الأدبية والدرامية التي سبق أن أثارت مثل هذا الجدل، سواء على المستوى العربي أو على المستوى العالمي. ومنها المسلسل الذي قدمه التلفزيون المصري عن أم كلثوم وكتبه محفوظ عبد الرحمن، والأعمال الدرامية التي تناولت سير أسمهان وسعاد حسني وعبد الحليم حافظ وبليغ حمدي وطه حسين وعباس العقاد، وحتى خالد بن الوليد والنبي يوسف عليه السلام. ومنها أيضاً رواية "الإغواء الأخير للمسيح" لنيكوس كازانتزاكيس، والفيلم المأخوذ عنها، ورواية "عزازيل" ليوسف زيدان، التي اتّهمتها الكنيسة المصرية بعدم الدقة في سرد أحداث تاريخية تتعلق ببدايات الديانة المسيحية في مصر، وفيلم "الفاجومي" المأخوذ عن مذكرات الشاعر أحمد فؤاد نجم، والذي اعتبره الأخير "سيئاً للغاية" لأنه ركَّز على حياته الشخصية على حساب دوره كشاعر مؤثر.

الحرية الإبداعية
في هذا السياق، تعتبر الروائية والناقدة اللبنانية لنا عبد الرحمن أنّ الرواية التاريخية ليست توثيقاً تاريخياً، بل سرد إبداعي يستخدم الخلفية التاريخية ليبني قصة مشوقة. وترى أنّ معظم النقاد والكتاب يتفقون على أن الالتزام بالحقائق التاريخية الكبرى (التواريخ الرئيسية، الأحداث الجوهرية، الشخصيات الرئيسية) ضروري للحفاظ على الصدقية والأصالة، مما يساعد القارئ على الغوص في العصر الموصوف دون شعور بالتزييف. وتضيف لـ"النهار": "مع ذلك، يُسمح بالحرية الإبداعية في ملء الفراغات، مثل الحوارات الداخلية، المشاعر الخاصة، أو تفاصيل غير موثقة، طالما لا تُغيّر جوهر الحدث، كما يُنصح غالباً بإضافة ملاحظة المؤلف في النهاية لتوضيح ما هو حقيقي وما هو متخيل، لتجنب تضليل القراء الذين قد يأخذون الرواية كمرجع تاريخي".
وترى عبد الرحمن أنه على المستوى العربي يجب أن تلتزم الرواية التاريخية بالحقائق الكبرى من دون تزييف، لكنها تسمح بإدخال شخصيات خيالية أو حبكات متخيلة على خلفية الأحداث الحقيقية؛ "وبالنسبة للسيرة الغيرية، فالأمر مختلف، وهي أكثر تعقيداً أخلاقياً، لأن الرواية تتعامل مع شخص حقيقي (حي أو ميت)، مما يثير قضايا الاحترام للتراث الشخصي والسمعة. وتستطرد لتوضح أن البحث الدقيق ضروري، والالتزام بالحقائق الموثقة أساسي، لكن الخيال مسموح لاستكشاف الجوانب النفسية أو العاطفية غير المسجلة، ومع ذلك، يُحذر من تشويه الشخصية أو تغيير أحداث جوهرية دون مبرر درامي قوي، لأن ذلك قد يُعتبر تشويهاً للتراث (مثل انتقادات لتصوير بعض الأفلام أو الروايات لشخصيات تاريخية بطريقة سلبية مبالغة)".

وتختتم بالقول إنّ "الرواية التاريخية أو السيرية ليست بديلاً عن التحقيق التاريخي أو السيرة الرسمية، لكنها قد تشكل الوعي العام أكثر من الكتب الأكاديمية، لذا يُفضل التمييز الواضح بين الخيال والحقيقة لتجنب نشر حقائق بديلة"، معتبرة أن "الالتزام بالحقائق ليس مطلقاً، لكنه ضروري في الحدود التي تحافظ على الثقة والاحترام للتاريخ والأشخاص". وهنا تشدّد على أن الحرية الإبداعية تخدم القصة، لكن الدقة تخدم الحقيقة، والتوازن بينهما هو ما يميز الأعمال الجادة عن الترفيه السطحي.
ما وراء التاريخ
يتّفق الأديب والناقد المصري شريف صالح مع عبد الرحمن في أن الرواية ليست بديلاً للتاريخ، وليس من مهماتها فحص الوثائق ولا الحكم على الأحداث؛ لأن التاريخ هو عملية وعي بالماضي وأرشفته على نحو حيادي وموضوعي، بينما الرواية تتقنَّع بتقنيات وأحداث التاريخ لاعتبارات جمالية وتخييلية، ومن هنا يملك الروائي مساحة حرية شبه مطلقة في التلاعب بالأرشيف والأحداث والشخصيات بما يخدم تصوره الجمالي للنص، ويقول لـ"النهار": "لذلك عندما كتبت رواية (مجانين أم كلثوم) لم يشغلني استقصاء سيرتها؛ لأنها متاحة في الويكبيديا، وإنما الاشتباك مع السيرة على نحو تخييلي يستثمر محطات منتقاة من سيرتها لخدمة النص، كأنني أستعيد أم كلثوم الخاصة بي أو أشيد عبر النص الروائي الكون الكلثومي الذي يمنح الصدارة لشخصيات خيالية، وحتى بعض الشخصيات التاريخية المعروفة حضرت ضمن أحداث خيالية".

ويرى صالح أن المادة التاريخية هي كأي مادة أولية ينسج منها النص وفق فلسفة جمالية، والفيصل هنا هو في قوة الإقناع والتأثير في المتلقي وامتاعه وفق تواطؤ مشترك مع الكاتب مفاده أننا سنلعب مع التاريخ ربما ننجح في اكتشاف ما وراءه.
من جانبه يرى الأستاذ في أكاديمية الفنون المصري سيد ضيف الله أنّ ما يثير الجدل ليس عدم دقة المعلومات، وإنما توظيف المعلومات المتاحة على اختلاف درجات دقتها على نحو يزعزع الصورة الشائعة عن الشخصية ذات الرصيد الشعبي. ويقول لـ"النهار" إنّ كلّ عمل فني أو روائي يتناول شخصية لها رصيد من التقدير الاجتماعي هو عمل فني متخيل، لكن لا يمكن للخيال أن يؤثر في الناس إلا إذا منطقياً، ولا يكون العمل الفني المتخيَّل منطقياً إلا إذا كان انتقاؤه للمعلومات المتاحة حول الشخصية انتقاءً عادلاً؛ "والعدالة هنا تعني أن يكون الفنان وضميره الفني رمانة ميزان بين المعلومات المتاحة حول الشخصية على اختلاف درجات دقتها سواء كان مصدرها مكتوباً أو شفوياً".

الرموز الثقافية
أما اللجوء لطائفة من المعلومات المتاحة ووضعها في سياق معيّن لتشويه الشخصية فهي، في رأي ضيف الله، طريقة تشبه في طريقة عملها اللجوء لطائفة أخرى من المعلومات المتاحة بغرض إضفاء هالة من القداسة على الشخصية. ويوضح أنهما وجهان لعملة واحدة، الأولى تزعم أن من حق المبدع أن يقاوم تقديس الأسلاف من أجل أنسنتهم، والثانية تزعم أن من حق الفنان وواجبه الحفاظ على الرموز الثقافية للأمة. إذن المسألة ليست فقط دقة معلومة أو عدم دقتها؛ لأن العمل الفني، بما في ذلك السير، هو بناء متخيل لتجربة حياة انقضت.
ويضيف أن العبرة هنا هي في منطقية التخيل وعدالة الفنان في انتقاء المعلومات والسياق الذي يوظفها فيه، ولأي غرض يقوم بذلك. ويعتقد ضيف الله أن فيلم "الست" هو تابع فنياً لرواية محمد بركة "حانة الست" في تفديم أم كلثوم استناداً لمعلومات ثانوية، إذا تحدثنا عنها كفنانة، وذلك بغرض أنسنته، وكأن ما يؤنسن الشخصية هو السلوكيات المشينة المسكوت عنها عند من يقدمون أم كلثوم ككائن أسطوري ملائكي.

أما فيلم "الفاجومي"، فقدم صداقة أحمد فؤاد نجم ورجل الأعمال نجيب ساويرس بشكل مضخم ومبالغ فيه على حساب محطات أخرى في حياة نجم. هل هذا التضخيم يستند لمعلومة دقيقة أم غير دقيقة؟ المعلومة هنا دقيقة، لكن إلى جانب دقتها نحتاج أن نعرف السياق الذي وضعت فيه ولأي غرض. إذ يمكن أن توضع في سياق يقول لنا إن أحمد فؤاد نجم بصداقته تلك باع تاريخه النضالي بالمال، ويمكن أن توضع في سياق يقول لنا إن الصداقة بين ساويرس ونجم هي صداقة حقيقية بين رجلين يعرف كل منهما نقاء صاحبه والتقدير بينهما متبادل.
ويختم ضيف الله بالقول: "لا يزعجني العمل الفني الذي يسعى لمقاومة هالة التقديس حول شخصية ما، إذا كان المحرك له هو وعي المبدع، لكن ما يزعجني هو أن تكون الأنسنة تشويهاً مجانياً غرضه تجاري أو سياسي ويتم في إطار تنافس ثقافي إقليمي".
نبض