مهرجان الجونة الثامن: السينما في ظلّ الصراع الطبقي وإسفاف وسائل التواصل

ثقافة 27-10-2025 | 10:20
مهرجان الجونة الثامن: السينما في ظلّ الصراع الطبقي وإسفاف وسائل التواصل
خلافاً لدول عربية ترعى السينما ولا تنتجها، لمصر صناعة سينمائية عريقة، وإن كانت متراجعة في الآونة الأخيرة بتأثيرات سياسية واجتماعية.
مهرجان الجونة الثامن: السينما في ظلّ الصراع الطبقي وإسفاف وسائل التواصل
كايت بلانشيت خلال حضورها مهرجان الجونة الثامن.
Smaller Bigger

الجونة تتّسع وتتمدّد. المشهد لم يعد ذاك الذي عرفناه حين وطئت أقدامنا الواحة المطلّة على البحر الأحمر قبل 8 سنوات. يومها لم أكن قد سمعتُ باسمها قط، كما هي حال كثيرين غيري. أمّا اليوم، فقد غدت وجهة سياحية، يزداد زوّارها عاماً بعد عام، وتتناثر على رمالها بقع مأهولة جديدة، وأضفى مهرجانها السينمائي السنوي عليها بريقاً خاصاً. إنها حكاية نهوض من قلب الصحراء انطلقت قبل 35 عاماً، مع افتتاح فندق واحد يستقبل ألفي نزيل وسط الامتداد الرملي. قصّة نجاح حقيقية تحوّلت مع الوقت إلى رقعة يعيش فيها اليوم نحو 10 آلاف شخص، يرتاد بعضهم مجمّعاً سينمائياً يضم 3 صالات تحت اسم "سينما البحر". 

أرض قاحلة لا توحي بأي حياة ترافقك وأنت تشقّ الطريق من مطار الغردقة باتجاه الجونة. مساحة المدينة صغيرة نسبياً، لا تتجاوز 10 كيلومترات مربّعة، غير أن طموح أصحاب المشروع (عائلة سويرس) بدا فضفاضاً منذ البداية، ولم يسلم من الانتقادات الحادّة، التي بلغت ذروتها في هذه الدورة من المهرجان. فهناك مَن يرى في الجونة نموذجاً عمرانياً طبقياً، يهدّد مفهوم المواطنة والمساواة، ويحوّل الحرية إلى امتياز يملكه أصحاب القدرة الشرائية وحدهم. أمّا المحافظون ومَن يلف لفّهم، فتستفزّهم مظاهر الانفتاح التي تطفو على السجّادة الحمراء، ويرون فيها انحلالاً أخلاقياً، انطلاقاً من نزعة الوصاية التي يسعون إلى فرضها على الآخرين. ورغم اختلاف المُنطلقات بين الفريقين، فإنهما يلتقيان في نقطة واحدة: شيطنة المهرجان. لكن ما يبدو أكيداً هو أن زائر الجونة، أو مَن يقيم فيها لأيام، سيُكوّن انطباعاً مختلفاً، قد يناقض تماماً تلك الطروحات الإيديولوجية الجامدة التي تنظر إلى العالم من منظور صراع طبقات لا ينتهي.

من بوابة يقف عندها عددٌ من الحرس، يمدّ أحدهم رأسه من شبّاك السيارة ليتحقّق من هوية الداخلين والخارجين، تتسلّل إلى هذه "الجنّة" التي صنعها الإنسان بيده. شمسٌ ساطعة، خضرةٌ وارفة، ووجوهٌ باسمة لحسناوات من أهل البلاد يتنزّهن في الشوارع على مهل، من دون أن يتعرّضن لأي مضايقة. أطول مسافة بين طرفَي الجونة المأهولَيْن لا تتجاوز ربع ساعة بالـ"توك توك". بدولار واحد يمكنك أن تتنقّل في أرجاء هذا المنتجع السياحي الذي يستقبل زوّاره على مدار السنة، تحت سماء صافية يقصدها كثير من السيّاح؛ بينهم ألمان يستلقون على الشاطئ وهم يقدّمون ظهورهم -أو ما هو أبعد من ذلك- لأشعّة الشمس. لكن الجونة ليست للسيّاح وحدهم. فيها مقيمون اختاروا الاستقرار بين بحرها وصحرائها. جمعتني رحلة قصيرة بسيّدة كازاخية أخبرتني أنها تعيش في الجونة منذ أيام الجائحة. سألتها مازحاً: أهو حبّ لمصر أو لـ"إيجبت؟". فأجابت بحسم وابتسامة واثقة: لا هذا ولا ذاك... الجونة فقط. 

من مفارقات القدر أن فيلم "هابي برثداي" للمخرجة المصرية سارا جوهر، الذي افتُتحت به الدورة الثامنة من مهرجان الجونة (16 – 24 الجاري)، يتناول الصراع الطبقي في القاهرة، وهو نفسه الفيلم الذي رشّحته مصر لجائزة الـ"أوسكار" عن فئة أفضل فيلم أجنبي. لكن ليست كلّ المعارك الجانبية التي تطفو على سطح المهرجان تستحق التعليق. فبعضها لا يعدو كونه إسفافاً في إسفاف. منذ الدورة الأولى، لا يزال جزء غير قليل من الإعلام المصري منشغلاً بالسجادة الحمراء أكثر من انشغاله بالأفلام نفسها. وقد تناول الكوميدي المصري طه دسوقي هذه المسألة في أمسية الافتتاح بسخرية لاذعة، فما كان من "حرّاس المعبد" إلا أن شنّوا عليه هجوماً، اضطره إلى تخفيف نبرته في تصريحاته التالية.