.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
بذكائه الحاد وموهبته الفذّة التي جعلته أحد أسياد السينما الفرنسية المعاصرة، نجح فرنسوا أوزون في التقاط النبرة الملائمة، إلى حدّ كبير، لنقل رواية "الغريب" لألبير كامو من صحفات الكتاب إلى الشاشة. كان الإيطالي لوكينو فيسكونتي قد سبقه إلى هذه المغامرة في الستينات، ولكن مع نتيجة لم تعمّر في الأذهان، بينما تردّد غيره طويلاً في الاقتراب من هذا النصّ، لما يحمله من تعقيد وجودي وجفاف شعوري. شاهدنا الفيلم أول من أمس ضمن عروض مهرجان البندقية السينمائي (27 آب/أغسطس - 6 أيلول/سبتمبر).
كما هي الحال مع "المحاكمة" لكافكا، فإن تحويل "الغريب"، أيقونة الأدب العبثي (الصادرة عام 1942)، إلى فيلم سينمائي، طالما عُدَّ تحدّياً عسيراً، لأسباب عدة. أولها أن الرواية بأكملها تتّخذ شكل مونولوغ داخلي. كلّ ما يحدث يدور داخل ذهن البطل. السيد مورسو، راوينا، باطني، يصرّ مراراً على أنه "لا يعرف" و"لا يملك ما يقوله". هو نقيض الشخصيات السينمائية المليئة بالثقة والانفعال. نظرته إلى الموت والحياة محايدة، باردة.
هذه الطبيعة التأملية جعلت من "الغريب" مادة عصيّة على النقل إلى الشاشة، التي تعتمد في طبيعتها على الصورة والحركة والإيقاع البصري. فمورسو لا يظهر مثلاً أي انفعال حتى في أكثر اللحظات مأسويةً: وفاة والدته أو ارتكابه جريمة قتل. هذا البرود هو ما يمنح الرواية بُعدها الفلسفي، لكن أفلمة هذا العمق تتطلّب حسّاً سينمائياً خلاقاً، قادراً على الإيحاء.
يبقى السؤال الجوهري: كيف يمكن فيلماً أن يجسّد هذا البرود من دون أن يربك المُشاهد أو يخلق نفوراً؟ أو كيف يمكن ترجمة العبارة الافتتاحية الصادمة "اليوم ماتت أمي. أو ربما أمس. لا أدري" إلى لغة الصورة، من دون أن تفقد نبرتها الفريدة؟ يستعين أوزون بحيله الإخراجية كي نرى هذه الجملة بدلاً من أن نسمعها. وهذا في حد ذاته فعل إخراج مغايراً، يتطلّب قراءة دقيقة للنصّ، وليس مجرد تحويله إلى مشاهد مرئية. ويبقى التحدّي الأكبر: إلى أي مدى تستطيع الكاميرا أن تخترق شخصية بهذه الصرامة والغموض والوضوح القاطع كالسيف؟ بل، هل تتوافق الفلسفة الوجودية أصلاً مع الفكرة البصرية، مع العرض، مع التمثيل؟ ألا تُعدّ الوجودية، في جوهرها، نقيضاً لكلّ ما هو ظاهري؟
الجزء الأول من الفيلم شبه خالٍ من الحوار، يكتفي بالإيماءات والنظرات، كأن المخرج يتعمد خلق صمت يوازي صمت مورسو الداخلي. في المقابل، ينتهج الجزء الثاني مقاربة مغايرة، خصوصاً مع دخولنا قاعة المحكمة بعد الجريمة. هنا، تهيمن الكلمة من جديد، ويجد التعليق الصوتي طريقه إلى الفيلم كخيار سيناريستي لا مفرّ منه، وربما كحلّ لا يمكن الالتفاف عليه.
بعض الجمل التي أصبحت أيقونية في الرواية، ينتظرها المتلقّي بشغف (وقد يكون هذا الانتظار بمثابة تحية للكلمة المكتوبة)، لا لشيء إلا ليرى كيف ستبدو حين تُترجَم بصرياً. غير أن هذا الترقب في ذاته قد يكون مربكاً، إذ يدخلنا في حالة من الانتظار تناقض روح السينما التي تتطلّب انسياباً لا يقطعه توقّع أو ترصّد. لكن، لماذا نخضع هذا الفيلم لمقارنة مباشرة مع أصله الأدبي، وهي ممارسة نادراً ما نعتمدها مع أفلام مقتبسة أخرى؟ وهل في ذلك عدالة؟ الجواب، على الأرجح، لا. فمثل هذه المقارنة تظلم الفيلم حكماً. ولكن "الغريب" ليست رواية عادية. انها نصّ مفصليّ في تاريخ الأدب الحديث، وبطلها، مورسو، ليس كأيّ بطل آخر. إنه بطل مضاد، من طراز خاص، كامو كان سبّاقاً في ابتكاره. مع مورسو، ألّف كامو ربما أعظم بطل مضاد أو بطل نقيض في تاريخ الأدب. روايته لا تزال حتى اليوم تكشف محدودية الصورة أمام سطوة الكلمة، وتذكّرنا، كلما حاولنا "رؤيتها"، بأن الأدب يتفوّق على السينما في كثير من الأحيان.
من هنا، فإن تلقّي الفيلم سيختلف باختلاف الخلفية: من يقرأ النصّ للمرة الأولى عبر الشاشة، قد يجد نفسه منجذباً إلى عالم مورسو الغامض وإلى براعة يد أوزون، أما من سبق له أن قرأ الرواية، فربما يصطدم بما صنعه خياله الخاص مراراً، حتى تبدو له النسخة السينمائية عملاً ميكانيكياً: ها هو مشهد الدفن، يتبعه اللقاء الأول مع ماري، ثم حادثة القتل… وهكذا دواليك، وكأن الفيلم يعيد ترتيب فصول الرواية حرفياً، على نحو خطّي ومتوقّع.
هذا النوع من الانتظار يسرق من الفيلم شيئاً من طزاجته. لكن، مرة أخرى، قد تكون هذه "المشكلة" حكراً على مَن حفظ الرواية عن ظهر قلب، لا على مَن يدخل هذا العالم للمرة الأولى.