البندقية 82 - سوكوروف في "يوميات مخرج" هو ضمير القرن العشرين

ثقافة 02-09-2025 | 19:58
البندقية 82 - سوكوروف في "يوميات مخرج" هو ضمير القرن العشرين
المخرج الروسي ألكسندر سوكوروف يعود إلى مهرجان البندقية السينمائي بـ"يوميات مخرج" الذي امتد لخمس ساعات وخمس دقائق.
البندقية 82 - سوكوروف في "يوميات مخرج" هو ضمير القرن العشرين
ألكسندر سوكوروف في البندقية.
Smaller Bigger

عاد المخرج الروسي الكبير ألكسندر سوكوروف إلى مهرجان البندقية السينمائي (27 آب - 6 أيلول)، وذلك بعد غياب دام عقداً من الزمن عن جزيرة الليدو، مع فيلم جديد، "يوميات مخرج" (خارج المسابقة)، امتد لخمس ساعات وخمس دقائق، مع استراحة قصيرة في منتصفه. كان الفيلم أغرب الاقتراحات البصرية والفكرية، وهو أشبه بـessai، في "موسترا" هذا العام، وقد هرعت لاكتشافه شلّة من الفضوليين. كلّنا نعلم مدى أهمية الوقت في أي مهرجان، والدخول إلى الصالة ظهراً للخروج منها مساءً، هو ترف لا يستطيعه كثر لكثرة الأفلام والأعمال والانشغالات. لكن اكتشاف جديد المعلّم الروسي، 74 عاماً، على شاشة ضخمة وهو جالس خلفك، حدث قد لا يتكرر، وعلى كلّ حال لا يفوَّت. عندما عرف زميل بولندي أنني أمضيتُ الساعات الخمس برفقة الفيلم، قال لي ممازحاً بأنني استحق جائزة "النضال الثقافي".

يعود المخرج الذي أعطانا سابقاً ثلاثية عن رجال السلطة المطلقة في القرن العشرين (لينين، هتلر وهيروهيتو) إلى دفاتره القديمة ليعيد إحياء الماضي بشكل جديد، قارئاً الزمن بمعانيه الوجودية والسياسية، منطلقاً من فكرة ان العالم القديم لا يتغير. في هذا الفيلم، يحشر كلّ شيء كأنه وصية: سلسلة من الأحداث التي صنعت تاريخ النصف الثاني من القرن الماضي، من الصراعات الكبرى إلى المحن التي شكّلت الذاكرة الجمعية لأجيال عديدة. تتوالى أمامنا على الشاشة أسماء بارزة من ميادين السياسة والفكر والفنّ والعلوم والرياضة، لتنسج معاً مشهداً كونياً غنياً بالتاريخ والمحطات.

"يوميات مخرج" مشروع سينمائي طموح، يروي فيه سوكوروف فترة الاتحاد السوفياتي والاشتراكية، كحلم وطوباوية "ضربت" عمق المجتمع السلافي ولا يزال يرزح تحت آثارها. الفترة التي يعرضها تمتد بين عامي 1957 و1991. اذا كان التاريخ الأخير يجسّد لحظة انهيار الاتحاد السوفياتي، فالتاريخ الأول كما يقول سوكوروف ليس صنيع المصادفة، بل هو اللحظة التي بدأ الفكر الاشتراكي يصبح فيها فاعلاً. في عام 1957، كان الاتحاد السوفياتي في مرحلة ما بعد ستالين، حيث بدأت التغييرات في السياسات الداخلية والخارجية تظهر تدريجياً. بعد وفاة ستالين، أتى خليفته نيكيتا خروتشوف، الذي بدأ عملية "التحرر من الستالينية" وتخفيف القمع السياسي. عام 1957 كان نقطة تحوّل في صوغ السياسة السوفياتية الجديدة التي كانت تبحث عن أفق جديد للأنظمة الاشتراكية.

في "يوميات مخرج"، يحتفل سوكوروف بالحياة كما ينعى الراحلين، أولئك الذين ارتبط بهم على الصعيدين الثقافي والوجداني. يعيد استعراض التواريخ التي صنعت واقعه الشخصي والمشهد الدولي في زمن الحرب الباردة: السباق المحموم للهيمنة على الفضاء، والصراع الأكثر دمويةً حول الأسلحة النووية… ولا ينسى اختراعات قلبت حياتنا، بما في ذلك الإنترنت. وفي خضم هذا كله، يضيء على القمع الذي مارسته السلطات السوفياتية، من اعتقالات وقمع حرية التعبير، ممّا ساهم في تشتيت المثقفين ونفيهم إلى الخارج.
يتمتّع الروس بمهارة استثنائية في التقطيع، وهم بلا شك من روّاد هذا الفنّ. وإذا كان سوكوروف قد ترك بصماته على السينما في استخدام اللقطة الواحدة، كما في فيلمه المعروف "الفلق الروسي"، فإنه في جديده، يدخل في تجربة فنية مختلفة، معتمداً على المونتاج كعنصر سردي أساسي يتحكّم في تدفّق الأحداث، اذ ان الفيلم يتكوّن من آلاف اللحظات القصيرة والمترابطة، لقطات سريعة لا تتجاوز الثواني، تُولّد إيقاعاً سريعاً يغوي العين. في لقاء لي معه أردتُ مقاربة مسألة المونتاج، لكن سوكوروف رفض ربط عمله بأي مدرسة روسية، قائلاً ان المونتاج شيء كوني بالأحرى.