من مصارع إلى ممثّل بأداء مركّب… "ذا روك" يسحق القلوب في البندقية!

ثقافة 03-09-2025 | 07:38
من مصارع إلى ممثّل بأداء مركّب… "ذا روك" يسحق القلوب في البندقية!
يطلّ علينا دواين جونسون في "آلة السحق" لبيني سفدي، الذي يشارك في المسابقة الرسمية لـ"البندقية 82".
من مصارع إلى ممثّل بأداء مركّب… "ذا روك" يسحق القلوب في البندقية!
دواين جونسون في مهرجان البندقية السينمائي.
Smaller Bigger

من أروع تجارب السينما، تلك التي يتماهى فيها الممثّل مع الدور إلى حدّ يصبح فيه السرد أقرب إلى فيلم وثائقي عن حياة الممثّل نفسه، فلا نعود نميز تماماً بين الشخصية المتخيّلة والإنسان الذي يؤدّيها؛ إذ تنشأ علاقة تبادلية تضيء كلّ منهما الأخرى. على هذا النحو يطلّ علينا دواين جونسون في "آلة السحق" إخراج بيني سفدي، الذي يشارك في المسابقة الرسمية للدورة الحالية من مهرجان البندقية السينمائي (27 آب – 6 أيلول). لا يمكن النظر إلى الشخصية بمعزل عن دواين جونسون نفسه. فالنصّ، وإن كان يدور على بطل المصارعة مارك كير، 56 عاماً، فإنه في جوهره حوار داخلي بين دواين وما يمثّله هذا الدور بالنسبة اليه. من خلال تقمّصه مارك كير، يعيد النظر في ذاته، في ماضيه، في صورته العامة، وحتى في ملامح تحوّله الشخصي.

"أصارع لأن المصارعة تمنحني نشوة الانتصار. والنصر، يا سادتي، هو أعظم المتع الممكنة!". هكذا يواجهنا مارك كير (جونسون) بطل "آلة السحق"، منذ اللحظات الأولى، مُطلقاً عباراته كمن يُلقي بياناً وجودياً. يتحدّث عن اللذة التي يشعر بها حين يسدّد ضرباته إلى الخصم، عن النشوة التي لا تعادلها أي نشوة أخرى.

لكن بيني سفدي لا يرضى بالبقاء في هذه الجهة من الحقيقة. لا ينسفها تماماً، بل يمرّ عبرها، يعبر "هناك" ليقودنا إلى "هنا": إلى صورة أكثر تعقيداً، أكثر إنسانية. مارك كير، كما يظهر في الفيلم، ليس مجرد آلة للبطش. هو رجل رقيق، يحمل في داخله تناقضات مؤلمة. صوته بالكاد يُسمَع عندما يهدأ. انظر إليه كيف يطلب من الراكب الجالس بجانبه في الطائرة أن يفتح له النافذة، فقط ليطلّ على الغروب. أو تأمل الطريقة التي يحمل بها إناءً صغيراً، ليحدّق فيه كأنه يكتشف فيه الكون. هذا الإنسان الرقيق، المتأمّل، هو نفسه "آلة السحق" التي تفتك بمن حولها: من صديقه ومدربه، إلى مَن يحاول الاعتناء به، وصولاً إلى ذاته.
تكمن أهمية الفيلم في كونه لا يروي سيرة رجل بقدر ما يصوّر عملية تفكيكه. يفكّك صورة "الرابح"، ويقوّض أسطورة الذكورة المنتصرة التي طالما تربّعت على حلبات المصارعة وشاشات السينما. في نهاية الفيلم، لن يبقى من الجسد الضخم سوى أجزاء مبعثرة. لا شيء من وهج العضلات، ولا من استعراض القوة. يختزل المخرج كلّ ذلك في كائن هشّ، لا تضعفه قلّة القوة، بل يضعفه فائضها، بعد أن تحوّلت من درع إلى قيد. ما يفعله الفيلم هو انه يسحق بطله بأناقة، أي انه يرقّيه بدلاً من أن يهينه. يضعه أمام أسئلة وجودية لم يشأ أن يطرحها من قبل، أو ربما لم يملك وقتاً أو شجاعة لمواجهتها، لانشغاله الأبدي بالخسارة والربح.