.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
طوال حياته، حمل فرنر هرتزوغ، ابن الثالثة والثمانين، روحاً عاصفة، تمزج بين العظمة والجنون والتمرّد. من الصعب ألّا تشعر بالدهشة وأنت تراه "يُروَّض" أخيراً على مسرح مهرجان البندقية السينمائي (27 آب - 6 أيلول)، متسلّماً جائزة "الأسد الذهب" الفخرية عن مجمل أعماله. ذلك النوع من التكريمات، مهما بدا لامعاً، لا يبدو متكافئاً مع ما أثاره صاحب ”فيتزكارالدو" طوال حياته من ظاهرة ثقافية تتجاوز حدود السينما. حتى ابتسامته العريضة، وهو يتسلّم الجائزة من يد فرنسيس فورد كوبولا، لا تنسجم تماماً مع نظراته الزرقاء القلقة حين يتحدّث عن أي موضوع. ما لم يكن، بالطبع، ثمة شخصية أخرى كامنة في داخله، نجح طوال حياته في إخفائها عنّا.
نشأ في وادٍ ناءٍ، بعيداً من أي أثر للسينما، ولم يكن يعرف حتى سن الحادية عشرة أنها موجودة. من جبال بافاريا الهادئة إلى شاشات العالم، شق هرتزوغ لنفسه طريقاً خاصاً. جمع في أفلامه حسّ المغامرة في استكشاف العالم من أطرافه البعيدة والمجهولة، انطلاقاً من إيمانه بأن العمل الفني يتجاوز الزمن، يعبّر عن إحساس بالخلود. هذا الإيمان دفعه أخيراً إلى نشر مذكّراته تحت عنوان "كلّ إنسان لنفسه والله ضد الجميع"، حيث استعاد فيها مزيجاً من اللحظات الشخصية والعامة، من طفولته في ريف بافاريا، مروراً بتجربته الفنية وعلاقته المعقّدة بممثّله المفضّل كلاوس كينسكي، إلى تأمّلاته في الكاثوليكية وتأثيرها العميق على أفلامه ومواضيعها.
منذ بداياته، ارتبط بـ"السينما الألمانية الجديدة"، تلك الحركة التي ظهرت في مطلع الستينات وأعلنت "موت سينما الأب"، في ما عُرف ببيان أوبرهاوزن. ساهم هرتزوغ مع رفاقه في إعادة تشكيل السينما الألمانية بعنفوانها وتحديها للمألوف. مع مخرجين مثل فاسبيندر وفندرز وشلوندورف، دفع تيار السينما الألمانية إلى الأمام.
استطاع كينسكي تجسيد الجنون والتمرد الهرتزوغي على الشاشة في أفلام مثل "أغويري، غضب الله" و"فيتزكارالدو". شخصيات هامشية وأحلام رومنطيقية متطرفة، حيث يتجلّى الصراع الأزلي بين الإنسان والطبيعة، وبين الحلم والواقع، بأسلوب خيالي وعنيف.