بوتين على شاشة البندقية: ساحر الكرملين يخرج من الظلّ

ثقافة 01-09-2025 | 20:41
بوتين على شاشة البندقية: ساحر الكرملين يخرج من الظلّ
"ساحر الكرملين" فيلم طموح، واسع النطاق، متشعّب الخطوط، موزّع على جبهات عدة، وبموازنة إنتاجية عالية.
بوتين على شاشة البندقية: ساحر الكرملين يخرج من الظلّ
بول دانو في دور فاديم بارانوف.
Smaller Bigger

أوليفييه أساياس مخرج متعدّد الانشغالات والهواجس، تتنوّع اهتماماته كما تتـّسع رؤاه السينمائية. في فيلمه ما قبل الأخير، اصطحبنا إلى قرية فرنسية، واضعاً أحداثه في خضم فترة الحجر الصحي. هناك، وسط الجغرافيا المحدودة والإيقاع الهادئ، صنع حكاية قليلة الأحداث، لكن غنية بالتفاصيل الإنسانية.
في جديده "ساحر الكرملين"، المنافس على "الأسد الذهب" للدورة 82 من مهرجان البندقية السينمائي (27 آب - 6 أيلول)، يضعنا أمام تجربة على النقيض تماماً. فيلم طموح، واسع النطاق، متشعّب الخطوط، موزّع على جبهات عدة، وبموازنة إنتاجية عالية. الشخصيات كثيرة، والزمن يمتد من مطالع التسعينات إلى يومنا هذا، في استعادة كثيفة للوقائع والأجواء السياسية. لعلنا نحتاج إلى العودة في أرشيف أساياس كي نعثر على عمل بهذه الضخامة، فنجد "كارلوس"، حيث قدّم سيرة الإرهابي الشهير في معالجة سينمائية لم تترك تفصيلاً للمصادفة، إنما تعاملت مع المادة بحس درامي مشغول بعناية.

قبل أن يكون فيلماً لأساياس، كان "ساحر الكرملين" رواية لكاتب ومستشار سياسي إيطالي - سويسري يُدعى جوليانو دا إمبولي. الرواية، التي حققت انتشاراً واسعاً وتصدّرت قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، حازت الجائزة الكبرى للرواية من الأكاديمية الفرنسية. وهي أول عمل روائي خيالي لدا إمبولي، الذي سبق له أن عمل في الصحافة، كما شغل مناصب استشارية في دوائر القرار السياسي. في هذا النصّ، يرسم الكاتب صورة مركبة لفاديم بارانوف، المستشار الغامض والمقرب من فلاديمير بوتين، شخصية خيالية مستلهمة بوضوح من فلاديسلاف سوركوف، مهندس صعود بوتين إلى الحكم، ومُنظِّر عقيدة الكرملين في مطلع الألفية الجديدة، الذي يُنسب إليه ابتكار مفهوم "عمودية السلطة"، الذي أثار إعجابه وتبنّاه لاحقاً كأداة لإحكام قبضته. أما السيناريو، فقد شارك أساياس في كتابته مع إيمانويل كارير، الكاتب والمخرج الفرنسي المعروف، الذي يظهر في الفيلم بدور عابر. يجدر التذكير بأن كارير سبق أن كتب سيرة أدبية لإدوارد ليمونوف الذي تحوّلت حياته أيضاً إلى فيلم على يد المخرج كيريل سيريبرينيكوف. المفارقة اللافتة أن ليمونوف يظهر بدوره في فيلم أساياس، ولو بمشهد قصير، ليضيف بُعداً آخر إلى هذا العمل المتداخل في سردياته وشخصياته.

من المهم التوضيح أن تفاصيل القصّة في "ساحر الكرملين" خيالية، وإن كانت مستوحاة من أحداث فعلية وشخصيات وُجدت في الواقع. وكأننا أمام سردية موازية تُعيد تخييل التاريخ عبر الفنّ. وإذا كان فيلم ألكسندر سوكوروف الوثائقي، "يوميات مخرج"، الممتد على خمس ساعات، ينتهي عند سقوط الاتحاد السوفياتي، فإن فيلم أساياس، الذي لا يتجاوز نصف تلك المدة، يبدأ تحديداً من تلك اللحظة. وهذا ما يُضفي عليه بُعداً تكميلياً، ويذكّرنا بجماليات الحوار الصامت الذي تنشأ أصداؤه في المهرجانات بين الأفلام، حين "يُكمل" أحدها الآخر من دون أن يدري بذلك.

من خلال العودة إلى أوائل التسعينات، لا يكتفي الفيلم برصد سيرة فرد، إنما يحكي أيضاً حكاية أمة، وسط الفوضى العارمة التي أعقبت انهيار المنظومة السوفياتية. الشاب اللامع، الذي سيُعرف لاحقاً بلقب "ساحر الكرملين"، هو فاديم بارانوف (يؤدّي دوره بول دانو). نراه أولاً فناناً يكتب المسرحيات، قبل أن يتحوّل إلى منتج تلفزيوني، ثم إلى العقل الإعلامي المدبّر لرجل غامض صاعد من أروقة الاستخبارات، يُدعى فلاديمير بوتين، الهامس في أذنه، والحارس الأمين لأسراره.

لكن في هذا العالم، لا وجود لثقة عمياء. التحالفات هشّة والمصالح فوق كلّ اعتبار. بارانوف، الذي سيساهم في رسم ملامح روسيا الجديدة، سيتحوّل إلى أحد أعمدة النظام الذي ساعد في بنائه. طموحه الفنّي سيتلاشى، ليجد نفسه في قلب المنظومة التي كان يحلم يوماً بأن يغيّرها، وإذا بها تبتلعه. وبرغم مقاومته الهادئة، ومحاولته الحفاظ على إنسانيته وسط دوّامة السلطة، فإن النظام لا يرحم: يعطي بيد ويأخذ بالأخرى.

يبدأ "ساحر الكرملين" بلقاء بين أستاذ جامعي أميركي (جيفري رايت) وفاديم بارانوف، في موسكو، خلال زيارة أكاديمية. هذا الأستاذ، الذي سبق أن ألّف سيرة عن بارانوف، يجد نفسه مجدداً أمام هذا الرجل الغامض، بعد سنوات من الصمت والتواري عن الأنظار، عقب خروجه، أو بالأحرى إقصائه، من دائرة السلطة. يقرر بارانوف أخيراً أن يتكلّم، كاشفاً أسرار النظام الاستبدادي الذي ساهم في تشييده، في سرد يتداخل فيه الشخصي بالسياسي، والمهني بالوجداني، حتى يصبح التمييز بين هذه المستويات أمراً معقداً، تماماً كما أراد أساياس.