البندقية 82: فرانكنشتاين يتهاوى وسوكوروف ينبش رماد الأمبراطورية الحمراء

ثقافة 01-09-2025 | 10:48
البندقية 82: فرانكنشتاين يتهاوى وسوكوروف ينبش رماد الأمبراطورية الحمراء
الأسبوع الأول من مهرجان البندقية السينمائي يختتم بعرض أولى الأفلام المتنافسة.
البندقية 82: فرانكنشتاين يتهاوى وسوكوروف ينبش رماد الأمبراطورية الحمراء
أوسكار أيزك في ”فرنكنشتاين“ لغييرمو دل تورو.
Smaller Bigger

انتهى أمس الأسبوع الأول من مهرجان البندقية السينمائي (27 آب/أغسطس – 6 أيلول/سبتمبر)، ومعه اكتملت المشاهدات الأولى لمجموعة من الأفلام المتنافسة على "الأسد"، وأخرى عُرضت خارج المسابقة. 

حتى الآن، لم يطل برأسه ذلك العمل الكبير الذي يعيد ترتيب المشهد أو يُحدث انقلاباً في الذائقة، ولا نزال في حالة ترقّب لاكتشاف جديد فرنسوا أوزون، كاثرين بيغلو، أوليفييه أساياس، جيم جارموش، وغيرهم من الأسماء التي يُنتظر أن تضع بصمتها في "الموسترا 82". مع ذلك، يصح القول انه اهتزّ ضميرنا أمام "يتيم" المجري لازلو نمش (ستكون لنا معه وقفة مفصّلة لاحقاً)، وسافرنا مع ألكسندر سوكوروف في رحلة آسرة بين مراحل الاشتراكية، أما يورغوس لانثيموس، فوضعنا أمام فصل جديد من مغامراته العبثية. في المقابل، جاء "جاي كيلي" لنوا بومباك مخيّباً، لا يترك أي أثر، درامياً وسينمائياً، رغم وجود جورج كلوني. لكن الخيبة الكبرى، حتى الآن، تمثّلت في السقوط الحر للمكسيكي غييرمو دل تورو في محاولته احياء شخصية فرانكنشتاين (مسابقة)، حيث لم يشفع له لا شغفه المعلن ولا رؤيته للطبيعة البشرية. العمل الذي طالما حلم به مخرجه، وأنتجته منصّة "نتفليكس" بموازنة ضخمة بلغت 120 مليون دولار، يمكن وصفه بلا تردد بـ"دعسة ناقصة" في مسيرة سينمائي لطالما اعتُبر أحد أبرز مجددي فنّ الخيال البصري المعاصر.

يقدّم دل تورو قراءة ”شخصية“ لرواية ماري شيلي، محاولاً تخليصها من رهبتها الأصلية وتحويلها إلى دراما إنسانية تدور حول أب مخذول و“ابن“ منبوذ (أوسكار أيزك وجاكوب إيلوردي). ورغم ما في الرؤية من شغف وحميمية، فإن التنفيذ جاء مثقلاً بالحوار المباشر والترميز المفرط والإيقاع الرتيب الذي أفرغ الفيلم من أي توتّر درامي. لا الشخصيات اشتغلت بعمق، ولا العالم البصري بلغ السحر الذي ميّز أعمال دل تورو السابقة. حتى الجانب الجمالي المحض، الذي كان دوماً منطقة قوة في سينماه، بدا هنا "خلبياً"، كأن الذكاء الاصطناعي تولّى صوغه، بدلاً من لمسة مخرج عرف كيف يُخرج الوحوش من الظلال لا من برامج التصميم. والمستغرب ان الموسيقى التصويرية لألكسندر دسبلا، جاءت بدورها بلا بريق. ما أراده دل تورو هو "رسالة مقدّسة" عن الإنسان والوحش والرحمة، لكنها تحوّلت إلى خطاب رنّان لا ينتهي.

                               ***

شارك اليوناني يورغوس لانثيموس في المسابقة بـ"بوغونيا"، محمّلاً أدواته الجمالية نفسها التي صنعته: الغرابة المنمّقة، الحوار المسطّح المقصود، والنبرة الانفعالية المحايدة للشخصيات. لكن هذه المرة، لا يبدو أن هناك شيئاً فعلياً وراء كلّ هذا الصخب البصري سوى استعراض متقن للفراغ ذاته. لانثيموس، الذي نجح سابقاً في "قتل الغزال المقدّس" و"كائنات مسكينة" بخلخلة بنية السرد التقليدي وتوليد الدهشة، يسقط هنا في فخ التكرار وكأنه يعيد الاستلهام من نفسه. نستسلم مجدداً لحيله، من دون أن يمنحنا في المقابل أي طرح حقيقي يعوّل عليه. الشخصيات تعاني من تشوهات فكرية وسلوكية، لكنها ليست معقّدة بقدر ما هي مرسومة لخلق نفور مقصود، وكأن الهدف الأسمى هو إبقاء المتفرج في حالة ارتياب دائم. القصّة، التي تدور حول شاب مضطرب (جيسي بليمونز) يرى في مديرة شركة أدوية (إيما ستون) كائناً فضائياً يهدد البشرية، تُروى ضمن قالب يمزج بين العبث ونزعة نيهيلية خانقة. يعيد الفيلم تدوير مواضيع لانثيموس المعتادة: السلطة، الاختيار، التلاعب، لكنه لا يضيف إليها شيئاً، بل يستهلكها داخل إطار بصري يذكّر أحياناً بمسرحة مبتذلة للواقع. كلّ ما هو رمزي أو ساخر هنا، يبدو مرسوماً بعناية. "بوغونيا" ليس إلا فصلاً آخر في تجربة سينمائية بدأت تفقد زخمها، فتتحوّل تدريجاً إلى طقس شكلي. لانثيموس لا يزال ممسكاً بأدواته (تكفي رؤية المشهد الختامي)، لكنه ربما بدأ يخسر صلته بما يمكن أن يشعرنا بأن هناك ما يستحق التحمّس له.

                               ***

بعد غياب دام عقداً عن البندقية ومهرجانها، يعود المعلّم الروسي ألكسندر سوكوروف بفيلم إستثنائي، "يوميات مخرج" (خارج المسابقة)، يمتد لأكثر من خمس ساعات، ويقدّمه كعمل خارج التصنيف، أشبه بتأمّلات موسّعة في الزمن، الذاكرة، والانهيار الإيديولوجي. هذا ليس فيلماً بالمفهوم التقليدي، فهو أقرب إلى أرشيف حميم، تُروى فيه العقود الخمسة الأخيرة من القرن العشرين، بوصفها تواريخ سياسية وثقافية، وأيضاً كلقطات مترسبة في الوعي الجمعي والوجدان الشخصي للمخرج. من خلال صور أرشيفية مذهلة ولحظات مقتطعة من التاريخ السوفياتي والدولي، يعيد سوكوروف تركيب الماضي، بهدف مساءلته: من خروتشوف وما بعد ستالين، إلى لحظة تفكّك الاتحاد السوفياتي، مروراً بالسباق النووي وصعود تكنولوجيا الفضاء، حتى فوضى الإنترنت. الفيلم يتحدّث عن الحلم الاشتراكي، ولكن أيضاً عن الخيبات التي نتجت منه، عن المثقّفين الذين تم قمعهم أو نفيهم، عن سلطة لا ترى الإنسان إلا كأداة ضمن آلة كبرى. يعتمد سوكوروف على المونتاج كأداة سردية، فالحكاية تُروى من خلال آلاف المقاطع المتلاحقة، في إيقاع بصري يخطف الأنفاس ويشبه وضعية ذاكرة تتملّص من الترتيب الزمني، لكنها تحتفظ بجوهر التجربة. يرفض المخرج تصنيف عمله ضمن تقاليد "المدرسة الروسية"، مؤكّداً أن المونتاج بالنسبة له "شيء كوني"، يُستخدَم لتشكيل رؤية شخصية وعالمية في آن. رغم طوله، لا يُشعر الفيلم بالملل، بل يجذب بسطوته الأدبية والفكرية. حضور سوكوروف في البندقية، في ظلّ العزلة الثقافية المفروضة على روسيا، أشبه بفعل مقاومة رمزية. التاريخ بين أصابعه الذهب ينساب كحلم منسوج بالحنين والمرارة.