محمد رسول أف في لوكارنو.
دخل المخرج الإيراني محمد رسول أف، 52 عاماً، إحدى قاعات المقر الرئيسي لمهرجان لوكارنو السينمائي، في قلب المدينة السويسرية الهادئة، تسبقه خطوات المترجمة الإيطالية التي ستتولّى طوال نصف ساعة نقل كلماته إلينا بلغة مفهومة. أما نحن، الصحافيين الثلاثة، فقد جلسنا نترقّب، وكلٌّ منّا يُنصت إلى صوته بالفارسية، تلك اللغة التي تحمل في نبراتها ظلالاً من العربية، ما يجعل بعض مفرداتها تلامس أذني بألفةٍ مألوفة أكثر من زميليّ.نحن هنا، في لوكارنو، حيث مُنح صاحب فيلم "لا يوجد شيطان" الفائز بـ"دبّ" برلين، جائزة السلام، وها إننا نلتقيه مجدداً — هذا اللقاء هو الثالث لي معه — وكل منّا يحمل في جعبته مجموعة من الأسئلة، نطرحها تباعاً على هذا الفنّان الذي صار رمزاً للمقاومة، وصوتاً جريئاً في وجه القمع، ومعارضة النظام الديني المتشدّد في طهران. رسول أف، الذي وجد نفسه مضطراً للفرار من بلده، بعدما ضاقت به السبل وبلغ الخطر ذروته. رحلة طويلة من الملاحقة والرقابة والتضييق والمنع والسجن، بدأت في 2010 وانتهت بخروجه من إيران، في أيار من العام الماضي، خلال مهرجان كانّ، حيث كان المجتمع السينمائي يترقّب عرض فيلمه "بذرة التين المقدّس" ضمن المسابقة. وقد وصل آنذاك إلى فرنسا بعد رحلة هروب شاقة، عبَر خلالها من الشرق إلى الغرب، بحثاً عن حرية طالما حرم منها في وطنه. اليوم، يقيم رسول أف في ألمانيا، وقد أصبحت أوروبا، موقتاً على الأقل، محطته الجديدة في نضاله الفنّي والإنساني.كانت في جعبتي دزينتان من الأسئلة، لكن الوقت لم يسعفني لطرحها جميعاً. في طبيعة الحال، حين يجلس الصحافي في مواجهة فنان أُرغم على مغادرة وطنه، هرباً من الظلم، باحثاً عن ملاذ جديد يحتضنه، فإن أول ما يتبادر إلى ذهنه هو سؤال المنفى: هل يعتبر نفسه منفياً؟ ما هي ملامح هذا المنفى، وتحدياته الخفية؟لكن محمد رسول أف لا يجيب بنعم أو لا. فالأمر عنده أعقد من اختزال ثنائي. يلتقط السؤال، ليجيب بعد لحظة تأمل: "أعتقد أن المسألة بالنسبة لي أشبه باختيار بين نوعين مختلفين من السجن. بمعنى ما، كان يمكنني البقاء في إيران، محاطاً بالكثير من القيود وقليل من الأمان، أو أن أكون هنا، في الغرب، حيث الأمان أكبر، لكن لا تزال هناك قيود من نوع آخر. أظن أن الحرية، في جوهرها، مفهوم جماعي. لذا، رغم أنني أتمتّع هنا ببعض الحريات الفردية، فأنني أشعر بفقدان الحرية الجماعية، تلك التي أؤمن بأنها وحدها قادرة على منحي سعادة حقيقية. هناك دائماً، في كلّ لحظة، تفاصيل يومية صغيرة تعيدني ذهنياً إلى إيران. حتى كوب الماء الموضوع أمامي الآن، يذكّرني بأن الناس في بلادي عاجزون عن الوصول إلى مياه شرب نظيفة، بسبب إهمال النظام وفساده". في حديثه، بدا رسول أف وكأنه يعيش بين عالمين: واحدٌ يمدّه بالأمان، وآخر يسكن وجدانه. منفاه ليس مجرد انتقال جغرافي، انه صراع داخلي بين ذاكرة لا تهدأ، وحاضر لا يمنحه كامل الطمأنينة.حين طرح عليه الزميل الإيطالي سؤالاً بدا لي، لوهلة، ساذجاً وربما عبثياً — "هل تفكّر في العودة إلى إيران؟" — فاجأنا رسول أف بإجابة صادمة، صادقة، ومفاجئة في بساطتها: "أوه، أفكّر في ذلك دائماً. حتى وأنا أغادرها، كنت أفكّر في العودة. حرفياً، هناك، على الحدود، بين الجبال، كنت أنظر خلفي نحو إيران وأفكّر: هل أعود؟ المسألة بالنسبة لي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بفكرة المقاومة، وبمعنى أن تقف في وجه الظلم. عندما كنت في السجن، كنت أطرح على نفسي هذا السؤال باستمرار: هل تُجسَّد المقاومة في البقاء داخل إيران، ...