.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في "يونان"، ثاني أفلام المخرج السوري أمير فخر الدين الذي عُرض في مسابقة مهرجان برلين الأخير، يؤدّي جورج خبّاز دور منير، كاتب مغترب يعاني أزمة وجودية. يصل إلى جزيرة نائية في الشمال الألماني، بحثاً عن راحة نفسية بعيداً من اختناقه الداخلي وإبداعه المتعثّر. وجوده في هذا المكان سيشكّل صدمة تكشف هشاشته، وتجبره على مواجهة ذاته وأسئلته المؤجَّلة. يجسّد خبّاز شخصية محمّلة ارتباكاً تاريخياً ونفسياً، يلاحقه ظلّ الانتحار، فتتشظّى ذاكرته بين الحاضر والماضي، بين الواقع والخيال. تتحوّل الجزيرة إلى مرآة لتقلّباته النفسية، وفضاء يتلاشى فيه الزمن، في لحظة تتداخل فيها قصص طفولته مع محاولاته المستميتة لكتابة رواية. منير نقطة ارتكاز لفهم تيمات الفيلم: الفقد والعزلة والانتماء المعلّق. يقدّم خبّاز أداءً داخلياً، يترجم عبره الصمت والتردد والشرخ الداخلي لرجل يبحث عن خلاص. غداة نيله وسام الاستحقاق اللبناني الفضّي، من رئيس الجمهورية جوزف عون، كان لـ"النهار" المقابلة الآتية مع خبّاز عن دوره هذا الذي فاز عنه بجوائز دولية.
* أنا من المعجبين بأمير فخر الدين، وأرى فيه موهبة حقيقية. كيف بدأت علاقتك بمشروعه "يونان"؟
- أمير على اطّلاع على أعمالي منذ سنوات، وكان يُبدي إعجابه بها مذ كان شاباً يافعاً، فهو أصغر منّي سناً، عمره لا يتجاوز الرابعة والثلاثين. في مرحلة إعداد النسخة الأولى من سيناريو "يونان"، شاهدني في "أصحاب… ولا أعزّ" على ”نتفليكس“، وقال لفريقه: "هذا هو. وجدتُ منير!". يومذاك، تواصل معي من باريس، وأرسل إليّ نصّ الفيلم، بالإضافة إلى فيلمه الأول "الغريب". حين شاهدته، أُعجبتُ كثيراً بلغته السينمائية، وبفلسفته التي بدت لي أعمق بكثير من عمره. فقرأتُ نصّ "يونان" وأُغرمتُ فوراً بالشخصية وثرائها، شخصية مليئة بالتناقضات والصراعات والأسئلة الوجودية: أسئلة تتعلّق بالانتماء الجغرافي والعائلي، وبالهوية من منظور وجودي أوسع. أحسستُ أن الدور يليق بي في هذه المرحلة من عمري، لأنني وجدتُ تقاطعات حقيقية بيني وبينه. أسئلته بدت لي مألوفة، كأنها جزء من أسئلتي. فقررتُ خوض هذه المغامرة. وكانت تجربة رائعة جداً…
* لفتني ما تقوله عن التقاطعات بينك وبين الشخصية. أتسعى إلى هذا النوع من الانعكاس في أدوارك؟ هل يجب أن تجد ذاتك في الشخصية كي تجسّدها؟ هل يمكن ان تلعب نقيضك مثلاً؟
- ليس بالضرورة. نعم، ألعب نقيضي. كممثّل، أنتَ من المفترض أن تكون قادراً على تجسيد شخصيات تختلف عنك كلياً. لكن، حتى عندما يكون الدور نقيضك، فعليك أن تقترب منه، أن تدخل إليه من باب ما، وتكسوه بشيء من روحك، كي تمنحه الصدق والمصداقية. في حالة منير، الأسئلة التي يحملها قريبة جداً من الأسئلة التي تؤرقني. صحيح أنني أطرحها بطريقة مختلفة، لكن الجوهر واحد. وربما هذا ما جعلني أتحمّس تجاه هذا الدور. الفيلم يتميّز أيضاً بشروط عالمية، إنتاج مشترك ألماني – كندي – إيطالي – فرنسي – فلسطيني – قطري – سعودي، علماً ان شركة الإنتاج الأساسية ألمانية. وضم أسماء كبيرة تتصدّرها هانا شيغولا، وهي واحدة من أعظم ممثّلات السينما الأوروبية. العمل مع كلّ هذه الطاقات التي تأتي من خلفيات ثقافية وفنية مختلفة، أضاف ثراءً حقيقياً للتجربة.
* في رأيك، هل انعكس هذا التنوع إيجاباً على نسيج الفيلم؟
- بالتأكيد، لأن أمير، رغم كلّ هذا التنوّع من حوله، يعرف تماماً كيف يطوّع العناصر المتعدّدة ويصهرها ضمن رؤيته. هو قائد المشروع الحقيقي، ويملك القدرة على إسقاط كلّ هذه التجارب والثقافات ضمن منظوره الخاص، من دون أن يتشتّت الفيلم أو يفقد هويته.
* مع ذلك، لا يخلو هذا النوع من الإنتاج من أخطار. أحياناً، حين تتعدّد المصادر، يخسر الفيلم نبرته، ويصبح شبيهاً بـ"القليل من كلّ شيء" من دون أن يكون شيئاً في ذاته.
- لكن "يونان" ليس من هذا النوع! الفيلم يدور بشكل كامل على شخصية منير، وكلّ ما يحدث – من تطورات ومواقف – يتمحور عليه. منير هو قلب الفيلم. رجل مشرقي مهاجر، تائه، فقد هويته، ويعيش في عزلة. القصّة متماسكة جداً، وكلّ العناصر تصبّ في خطّه الدرامي، سواء أتت منه أو أثّرت فيه أو تأثّر بها. أعتقد أن لا شيء يشتّت هوية الفيلم، لأنه يروي في النهاية قصّة رجل هو نموذج للشتات ولأزمة الانتماء.
* يتحدّث منير باللهجة اللبنانية، لكن لا نعرف من أين هو تحديداً. هل ناقشت هذا التفصيل مع المخرج؟ هل سألته من أين "ينحدر" منير؟
- نعم، سألته: هل ترغب في أن نحدّد هوية منير الخاصة؟ فأجاب: لا. لأنه يرى في منير شخصية تمثّل المهاجر في المطلق. نموذج يمكن أن ينطبق على كلّ مَن يعيش في الغربة، حتى أولئك الذين يعيشون غربة داخل أوطانهم. ليس من الضروري أن تكون الغربة انتقالاً جغرافياً، بل يمكن أن تكون شعوراً داخلياً. قلتُ له: طالما لا يهمّك تحديد الهوية الجغرافية، فدعني أتكلّم بلهجتي اللبنانية. عندما أعبّر بلغتي الأم، أكون أكثر صدقاً. فوافق. لأن ما يعنيه في النهاية ليس اللهجة في ذاتها، إنما المعنى العميق، الرمز، الدلالة. علماً أن الأمر لم يكن سهلاً، لأنني كنت مطالَباً أيضاً بالتحدّث بالألمانية في بعض المشاهد، وهو تحدٍّ كبير في ذاته.