.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
تتقلّب عروض مهرجان كانّ (13 - 24 أيار)، بين الأسوأ والأفضل، كاشفةً عن التباين الحاد بين ما يُنتَظر وما يُقدَّم. من جهة، خيّب "ألفا" لجوليا دوكورنو (الفائزة بـ“سعفة“ كانّ عن تيتان“)، الآمال، ومن جهة أخرى، قدّم "صراط" لأوليفير لاشيه تجربة سينمائية متجاوزة. بين فيلم هو محض نشاز، وآخر ينتصر للعمق، تتجلى مفارقة هذا العام: السينما لا تُقاس بموازنة أو صدمة بصرية، إنما بقدرتها على لمس المُشاهد.
جديد دوكورنو، ”ألفا" (مسابقة)، لا يعدو كونه امتداداً لما سبق، من حيث الأجواء المشبّعة بالعنف، القسوة، الانحلال الجسدي والنفسي، والعدمية الوجودية. كلّها عناصر يبدو أنها باتت تمثّل ليس فقط هوية دوكورنو، بل طريقتها الوحيدة في التعبير السينمائي. فيلمها يعيد تدوير التيمات المريضة نفسها، لكن ضمن حبكة جديدة، تحت راية ما يُعرف بـ"رعب الجسد"، ذلك النوع الذي ازدهر في الثمانينات، وكان ديفيد كروننبرغ أحد أباطرته. كلّ ما أغوانا سابقاً في أفلام دوكورنو يتحوّل هنا إلى عبء ثقيل، وإلى تكلّف سردي، خصوصاً مع محاولة فرض رمزية قسرية على كلّ تفصيل، حتى حين لا يحتمل السياق ذلك.
الفيلم يدور في مدينة غير محدّدة المعالم، داخل إطار زمني يوحي بالثمانينات، وإن كان لا يُفصح بوضوح عن حقبة. مدينة منزوعة الجغرافيا والتاريخ، يخيّم عليها تهديد مزدوج: فيروس غامض ينتشر في الهواء، يحوّل المصابين إلى كتل حجرية بعد أن تلفظ رئاتهم كميات من الرمل، وعاصفة رملية حمراء إذا هبّت، كفيلة باجتياح كلّ ما في طريقها.
ضمن هذه الأجواء التي تنذر بانهيار تام، نتعرف إلى أم وابنتها. الأم (غولشيفته فرهاني) طبيبة تعمل في وحدة ميدانية تعجّ بالمصابين، والابنة (ميليسا بوروس)، مراهقة يحمل الفيلم اسمها وتصبح محور السرد. القلق الدائم من إصابتها بالعدوى يغلف المُشاهد منذ اللحظة الأولى، ويشكّل منبع التوتر الأساسي في العلاقة بين الأم والابنة. لكن، وكأن الكارثة الوبائية لا تكفي، يظهر فجأة شقيق الأم (يؤديه طاهر رحيم في أداء هو من أضعف ما قدّمه)، مدمن سابق للمخدرات، على حافة الانهيار النفسي والجسدي، ليضاعف حجم الاضطراب داخل هذا الملاذ الهشّ.
وجوده في حياة المرأتين لا يحمل سوى التهديد والتشويش؛ هو أشبه بشبح ماضٍ مأسوي يعود ليطرق الباب في أسوأ توقيت ممكن. لا يأتي حاملاً خلاصاً أو حكمة، إنما يضيف طبقة جديدة من الفوضى النفسية والعاطفية، في فيلم لا يتوانى عن التراكم: تراكم الكوارث، تراكم الرمزيات وتراكم الضجيج البصري. يبدأ "ألفا" كأنه من أفلام الإثارة الكارثية، تلك التي تُنبئ بنهاية العالم الوشيكة، قبل أن ينزلق نحو دراما المراهقة، ومن ثم يمرّ على أفلام الأوبئة والعدوى، وكأن دوكورنو تنقلنا من جنس سينمائي إلى آخر بلا تصفية حسابها مع ما تتركه خلفها، أو أن تبني فعلياً على ما تقدّمه لاحقاً.
ثلاث شخصيات غارقة في أزماتها الخاصة، تغرقنا معها في أحاديث مطوّلة ومكررة ومملّة، حتى يكاد الفيلم يتحوّل إلى رحلة عذاب ممتدة للمُشاهد. وبينما تتحوّل المدينة إلى مسرح لانهيار بيئي ونفسي شامل، يبقى المشترك الوحيد في كلّ مراحل الفيلم — عدا الشخصيات — هو ذلك الشعور الخانق بالرعب الوجودي والاضطراب العقلي، الحاضر في كلّ مشهد وكلّ لقطة.
تنزلق دوكورنو تدريجاً إلى دراما عائلية ثقيلة تطرح تيمة "الصدمة المتوارثة" أو ما يُعرف بالتروما العابرة للأجيال، مع تركيز واضح على موضوع الأبوة، تيمة سبق أن استثمرتها في أعمالها السابقة. إلا أن المشكلة هنا أن أفراد هذه العائلة لا يملكون أي كاريزما تثير فضول المشاهد أو تعاطفه؛ إنهم كائنات درامية مستهلكة، يغلّفها التصنّع، وتفتقر الى أي عنصر يُضفي عليهم حياة أو عمقاً.
في الضفّة المقابلة، يقف أحد أهم أفلام المسابقة: ”صراط“ (مسابقة)، يأخذنا عبره المخرج الفرنسي من أصول إسبانية أوليفر لاشيه في رحلة بصرية وروحية من نوع خاص. يقدّم لاشيه عملاً يتجاوز حدود السرد التقليدي، ليصوغ تجربة تُقارب معنى العبور والبحث والضياع، مستنداً إلى خلفية ثقافية متعدّدة ومتجذّرة في تربة روحية وفكرية خصبة.
يحكي "صراط" قصّة أب إسباني (يؤديه سيرجي لوبيز) ينطلق في رحلة محمومة بحثاً عن ابنته المختفية منذ أشهر. تتردّد شائعة بأنها قد تظهر في "حفل" يُقام في قلب الصحراء، فيقرر الأب، برفقة ابنه، التوجّه نحو هذا الحدث الغامض. ما يبدأ كرحلة مادية، سرعان ما ينقلب إلى عبور روحي داخلي، حيث يكتشف الأب أنه لا يبحث فقط عن ابنته، بل عن ذاته أيضاً، عن خلاص ما، عن المعنى في عالم يتآكل من حوله.
اختيار العنوان "صراط" ليس بريئاً، فالمفهوم المستمد من الثقافة الإسلامية يشير إلى الجسر الفاصل بين الجنّة والنار، لكن لاشيه يعيد تأويله ليصبح تعبيراً عن حالة وجودية معاصرة.
الحفل الذي يشكّل ذروة الحدث ليس احتفالاً بالمعنى التقليدي، بل فضاء صوفي يتحلّق فيه المهمّشون من العالم، يحتفلون بوجودهم، ويتحررون من القوالب الاجتماعية والدينية والسياسية. وعندما تسعى السلطات المحلية إلى فضّ التجمّع، يواصل بعض المشاركين السير نحو منطقة صحراوية أخرى، رافضين العودة إلى "العادي". في هذا القرار، تتجلّى إرادة الانعتاق من السلطة، من المألوف، من الانضباط المفروض. وهنا، يرفض الأب التراجع، ويواصل تتبّع آثارهم، مدفوعاً برغبة خافتة في اللقاء، أو ربما في الفهم. يطرح لاشيه أسئلة صعبة ومباشرة: هل نستطيع، كأفراد ومجتمعات، أن نكسر دوائر الأخطاء القديمة؟ هل يمكن أن نولد من جديد في لحظة انهيار؟ في الفيلم، كما في الحياة، لا توجد إجابات جاهزة. هناك فقط مسارات مفتوحة، واحتمالات كامنة في التجربة ذاتها.