.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يعود إلينا المخرج البرازيلي كليبير مندونسا فيلو بفيلم كبير تحت عنوان "عميل سري" (مسابقة)، حصد إعجاب النقّاد عبر صفحات المراجعات. وبحسب الأحاديث الجانبية التي تتردّد في أروقة المهرجان، يُقال إن الفيلم حجز لنفسه مكاناً شبه مضمون ضمن قائمة الجوائز. وبالطبع، لا تزال هناك أفلام عدّة في المسابقة لم تُعرض بعد، ما يجعل الحكم النهائي سابقاً لأوانه، لكن من المؤكّد أن فيلم مندونسا فيلو هو أحد أبرز الأعمال التي شاهدناها حتى الآن.
ما يلفت فعلاً في تجربة هذا المخرج، تلك القفزة النوعية التي حقّقها خلال أقل من عقد. فمن ناقد سينمائي كان يغطّي مهرجان كانّ، إلى مخرج يُعتبَر اليوم من أبرز المؤلفين في أميركا اللاتينية. منذ أن دخل المسابقة عام 2016 بفيلمه الثاني، "أكواريوس"، تطوّر مساره بخطى واثقة نحو نضج سينمائي، تُوّج في هذا العمل الجديد.
يثير "عميل سري" ذكريات سينمائية بعيدة؛ هناك أصداء واضحة لسينما أنتونيوني، الذي، وإن غاب جسداً عن هذه الدورة، فإن حضوره المعنوي لا يزال ملموساً من خلال بعض الأعمال، وخصوصاً هذا الفيلم. هناك تقاطع بين الرؤية الوجودية للمكان، والوعي المفرط بالزمن، وتلك اللغة البصرية الهادئة التي لا تُسلّم أسرارها من المشاهدة الأولى.
ما يميّز هذا الفيلم ليس فقط مستواه الفني الرفيع، إنما تعقيده البنيوي وغناه الدلالي وتلك القدرة على إشراك المشاهد في تجربة لا يمكن تلقّيها بالكامل وسط صخب المهرجان. يحتاج الفيلم إلى مشاهدة متأنية، وربما مراجعة ثانية، كي تتّضح طبقاته وتُفكك شيفراته السردية والبصرية. إنه من تلك الأعمال التي تفرض على المتلقّي التركيز، لا لأنها غامضة عمداً، إنما لأنها ذكية في رسم عالمها واختبار إدراكنا له.
صحيح أن مسابقة هذا العام قدّمت أعمالاً قوية، بل إن بعضها يبدو مرشحاً حقيقياً لنيل "السعفة الذهب"، لكن يبقى لفيلم مندونسا فيلو مكانة خاصة. هو ليس الأجمل بالضرورة، لكنه من بين الأعمق والأكثر صعوبةً في القراءة. عمل سينمائي يتطلّب أكثر من مجرد نظرة أولى، وقد يمنح متعة متصاعدة كلما أعدنا النظر فيه. إنه من هذه الأفلام التي تبقى معنا بعد انتهاء العرض، وتواصل طرح الأسئلة، وتعيدنا إلى المشهد لعلّنا نفهم لعبة الفنّ التي يتحكّم بها صانعها ببراعة.