مهرجان كانّ: نسور طارق صالح ترفرف حول السيسي ولا تحلّق

ثقافة 20-05-2025 | 18:12
مهرجان كانّ: نسور طارق صالح ترفرف حول السيسي ولا تحلّق
مهرجان كانّ: نسور طارق صالح ترفرف حول السيسي ولا تحلّق
فارس فارس في "نسور الجمهورية".
Smaller Bigger

بعد أن كسب عداء النظام المصري وصنع فيلمين تصدّت لهما الأجهزة الأمنية، يعود المخرج السويدي المصري طارق صالح إلى مهرجان كانّ (13 - 24 أيار)، ويبدو أنه قرر أن يتجاوز هذه المرة كلّ التوقّعات… نحو الأسوأ.

"نسور الجمهورية" هو الفيلم الذي كان يُفترض أن يكون قنبلة سياسية، مختتماً به "ثلاثية القاهرة"، التي أطلقها مع استهداف المؤسسة الأمنية في "حادثة النيل هيلتون"، وواصلها مع المؤسسة الدينية في "ولد من الجنة". إذا كان الجدال قد أثير سابقاً بسبب اقتحام مناطق محرّمة، فإن "نسور الجمهورية"، بمحاولة انقضاضه على المرجع السياسي الأعلى في مصر، يثير الأسف، على نحو لا نعرف ماذا أراد صالح من الشأن الذي تناوله. المؤكّد أن فيلمه لا يليق لا بالمسابقة، ولا حتى بعروض منتصف الليل، ولا بأي برنامج يأخذ السينما على محمل الجد.
يعيد الفيلم تدوير علل فيلمه السابق: بنية مفكّكة، سيناريو ساذج، شخصيات ورقية، وأداء تمثيلي لا يعرف في أي قارة يعيش. وكأن صالح قرر أن يثبت لنا أن النجاح والتوفيق لا يُلزمان صاحبهما بالمراجعة، بل قد يثبّتانه في مكانه ليعيد إنتاج ما ظنّ أنه أصاب فيه.

يفتتح الفيلم بجنريك قد يكون تحية لتاريخ السينما المصرية، ثم يدخل سريعاً في قصّة جورج فهمي (فارس فارس)، ممثّل قبطي، نجم أفلام شعبية رديئة (منها واحد عن أول مصري صعد إلى الفضاء!)، يُطلب منه فجأةً تجسيد شخصية عبد الفتّاح السيسي في عمل غامض لا نعرف طبيعته (لكن يمكن التخيل انه يتناول كيف انقذ البلاد من براثن الأخوان المسلمين)، ونكتشفه تباعاً خلال عملية التصوير تحت أعين الأمن الساهر على التفاصيل كافة. السيسي معروف بقصره، بينما فارس فارس طويل بشكل لافت ولا يشبهه، لكن الفيلم الذي يُنجَز عنه لا يعنيه التطابق. سيكون هناك ثلاثة "سيسيات" في الفيلم: هو نفسه (صور أرشيف)، فارس فارس، وممثّل يلعب دوره عندما يطل علينا باعتباره السيسي الحقيقي!

مصر في الفيلم ليست سوى شوارع مزينة بلافتات الريس. والحوارات تعلوها خطب وعظية وتنظير أخلاقي. في مشهد، تطلب موظّفة الرقابة من جورج وفريق فيلمه ألا يصنع "فيلماً فيه حرام"، وفي آخر، تذكّره السيدة المحجّبة نفسها بأن "الرئيس مؤمن… ومؤمن بربنا". هذه ليست حوارات، بل منشورات فايسبوكية ركيكة مكتوبة بحماسة اللحظة.

لا شيء في الفيلم يُقنعك بأنك في مصر. البيئة مصطنعة، اللهجات هجينة، الوجوه تمدك بإحساس بالزيف. ثم تأتي الشخصيات: ممثّلون من أصول لبنانية، فلسطينية، جزائرية، مغربية. وكأن صالح دعا إلى اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية. لا أحد منهم يبدو مصرياً، لا حركةً ولا نطقاً. العرب "يقفرون" المصري عن بُعد كيلومتر. أما المصريون القلائل الذين ظهروا في الفيلم، وفي مقدّمهم عمرو واكد، فهجروا بلادهم منذ سنوات. طارق صالح نفسه، لا تزال علاقته باللغة كأنها واجب مدرسي ثقيل. وذكراه عن مسقطه صدى بعيد.

الحوارات تمتلئ بمراجع تقفز كالقنابل الدخانية في وجه المُشاهد: شكسبير؟ لا، الشيخ زُبير. القذافي؟ جلسات "تحشيش". الرغبة؟ الرجل العربي المخصي. كلّ شيء اختزالي، لكنه ساخر من الخارج، من مكان آمن لا يلامس حقيقة ما يسخر منه. وكأن الفيلم مصمَّم خصيصاً ليتوافق مع المزاج الغربي، حيث ان هذه الجمل تُضحك لأنها تؤكّد الصور النمطية الجاهزة.
السيناريو مفكّك ولا علاقة عضوية بين المشهد وما يليه. كان الأجدى بصالح ان يطوّر نصّه المكتوب في ورش خاصة. ما يمر أمامنا، مجرد مشاهد ملقاة على الشاشة. ثم، مَن قال لهذا المخرج ان العفوية في التمثيل هي ان تدخل الشخصية إلى المشهد وهي تتحدّث في الهاتف على نحو نسمع آخر كلماته، فنعتقد ان الكاميرا باغتته؟

حتى حين يحاول الفيلم أن يقول شيئاً عن قمع النظام أو الفنّ الخاضع للرقابة، فإنه محكوم بألا يقول شيئاً. دسائس، مؤامرات، ابتزاز، ضغوط، قوائم سوداء… هذه ممارسات تجدها في أنظمة كثيرة مشابهة للنظام المصري. أين الجديد؟ الواقع المصري أكثر عنفاً وتعقيداً من هذا بكثير. لذلك، يصبح الفيلم في النهاية أقرب إلى تبييض صفحة النظام لا فضحه، لأنه لا يكشف أي شيء خاص به يميزه عن سائر الديكتاتوريات العسكرية.

اذا تمسكتُ بقسط من السخرية، أمكن القول ان المتفرج قد يتعاطف مع السيسي! تقديم نظام بلمسة فنية "لايت"، مغلّفة بروح ليبيرالية تعتبر أن الحديث عن الفنّ أهم من أي شيء آخر، يُعدّ خيانة لضحاياه. حتى عندما يلمّح إلى ظاهرة "تعريص" النجوم، لا يذهب إلى أي مكان فعلي. يذكرها، ثم يمرّ، كمن أشار إلى جرح من دون أن يقترب منه فعلاً.

لكن، ما هو الشأن الذي يتحدّث عنه "نسور الجمهورية"؟ عن السيسي؟ بالكاد. عن الإخوان؟ لا. عن جورج؟ لا أعتقد ذلك. عن الفنّ الخاضع للسلطة؟ ربما، ولكن على استحياء. هذا فيلم عن كلّ شيء، الى درجة أنه لا يصير عن شيء. حتى خاتمته المفترض أنها ذروة الفيلم (استعراض 6 أكتوبر)، تفشل فشلاً ذريعاً. 

ربما الشيء الإيجابي الوحيد في التجربة، هو نشوء هذا التيار السينمائي المعارض الذي يأتي من خارج العالم العربي. أفلام تسمّي الأشياء بأسمائها. لكن المشكلة المزمنة تبقى: الابتعاد عن المصدر، وفقدان اللمسة الأصيلة. النتيجة؟ أعمال تعاني من انفصام في الرؤية، وتُعرض في مهرجانات غربية كبرى، لكنها لا تمسّ قلب الواقع العربي فعلاً.