في منزل ذكريات محمود شقير: شيخوخة تحت الاحتلال

في منزل ذكريات محمود شقير: شيخوخة تحت الاحتلال
القاص والروائي الفلسطيني محمود شقير
Smaller Bigger

الشيخوخة ومتعلّقاتها هو السؤال الذي تطرحه رواية "منزل الذكريات"، الصادرة عن دار نوفل في بيروت، للقاص والروائي الفلسطيني محمود شقير الذي أدركته حرفة الأدب منذ نصف قرن، وأربت مؤلّفاته على الثمانين مؤلّفاً في الأنواع الأدبية المختلفة، وتُرجِم بعضها إلى عدد من اللغات الأجنبية، وحاز عنها عدداً من الجوائز الأدبية المرموقة. وعلى الرغم من أنه "فات الثمانين بضع خطوات"، على حدّ تعبير مارون عبود، فإنّه ما زال يحتفظ بكامل لياقته الأدبية، والدليل على ذلك روايته التي بين أيدينا.

في "منزل الذكريات"، يتناول شقير موضوعة الشيخوخة في تموضعها بين سندان الاستغلال ومطرقة الاحتلال، والتحديات التي يطرحها هذان العاملان وآليات مواجهتها. ذلك أن هذه التحديات والآليات تختلف من منطقة إلى أخرى، حول العالم، فأن تكون شيخاً في فلسطين، في هذه اللحظة التاريخية، غير أن تكون شيخاً في اليابان أو كولومبيا. ولذلك، نرى أنّ شيخ محمود شقير في "منزل الذكريات" يختلف عن شيخ ياسوناري كاواباتا في "الجميلات النائمات"، وعن شيخ غابرييل غارسيا ماركيز في "ذكريات عن عاهراتي الحزينات". 

وهو ما نستخلصه بنتيجة القراءة، لا سيّما أن الكاتب يضمّ شيخي كاواباتا وماركيز إلى شخوص الرواية، وأن علاقة صداقة تقوم بين الشيوخ الثلاثة، تتمظهر في لقاءات دورية وأحاديث متبادلة بينهم، ما يقيم تصادياً بين المعيش والمقروء والمكتوب، ويجاور بين الحياتي والروائي في الرواية، ويضفي عليها طابعاً فانتازياًّ يطلّ برأسه في غير واقعة روائية.  

عجوز ثمانيني
في المتن، تتمحور الأحداث حول شخصية العجوز الثمانيني محمد، الكاتب الروائي المقيم في القدس، الذي يُمنى بثلاث مصائب في شيخوخته، تكون لها تداعياتها القاسية عليه، وتكون عليه آليات مواجهتها، ما يجعله يتخطّاها في نهاية المطاف. والمصائب الثلاث هي: وفاة زوجته سناء، تربّص الأزعر جميحان به وفرض إرادته عليه وإجباره على القيام بأفعال معيّنة، والاحتلال الاسرائيلي وممارساته. على أن آليات المواجهة وأدواتها تختلف بين مصيبة وأخرى، ويختلط فيها الوقائعي بالغرائبي.

تتمظهر المصيبة الأولى التي نزلت بالعجوز الثمانيني برحيل زوجته سناء، إثر إصابتها بفيروس كورونا، وتشكّل ضربة قاصمة له، وهو الذي كان يتوقّع أن يموت قبلها، فيقيم لها جنازة مختصرة تشارك فيها شخصيات روائية معيّنة، ما يعزّز حكائية الرواية، ويضفي عليها طابعاً من الغرابة والفنتازيا. وإذ يتردّى العجوز في حالة من الفقدان والوحشة والوحدة والحيرة والضياع، يلجأ إلى آليات دفاع، داخلية وخارجية، يمارسها منفرداً أو بالتعاون مع آخرين؛ فعلى المستوى الخارجي، يقوم بزيارة قبرها يومياًّ، ويتفقّد أماكن جلوسها، ويتحسّس أشياءها، ويشمّ ثيابها، ويُعِدُّ فنجاني قهوة في الصباح، ويطلب وجبتين اثنتين في المطعم. 

وعلى المستوى الداخلي، يفيء إلى أحلام النوم أو اليقظة، فتزوره في الحلم، وتضطجع إلى جانبه في السرير، وتتحدّث معه وتعاتبه، ويستقبل صديقيه عجوزي كاواباتا وماركيز ويتبادل معهما الأحاديث، ويتوهّم زيارات متكرّرة مع قريبه الشاب رهوان إلى بيت فريال الذي يقدّم المتعة لأمثاله. ولعل هذه الآليات جعلته يخرج من حالة الفقد المركّبة ويتصالح مع فكرة رحيل الزوجة. 

المصيبة الثانية التي ألمّت بالعجوز تكمن في تربّص الأزعر المنحرف جميحان به، في محاولة منه لوضع اليد على بيته وممتلكاته، بعد موت الزوجة ومشارفته الرحيل، ويُكرهه على الزواج من أخته الأرملة اسمهان ليتسنّى له تنفيذ محاولته. 

في مواجهة هذه الانتهاكات التي تقع عليه، تلعب الزوجة الجديدة أسمهان، المجبرة على تنفيذ أوامر أخيها خوفاً منه، دوراً في التخفيف عن زوجها، بما تبديه من حب له ورغبة فيه، وبما تتيحه له من لحظات متعة هو بحاجة إليها. وتلعب الآليات التي استخدمها في مواجهة مصيبته الأولى دوراً مماثلاً، فيفيء إلى أحلام الليل والنهار، ويستدعي صديقيه العجوزين من روايتي كاواباتا وماركيز، ويتسكّع مع قريبه رهوان في شوارع القدس. 

سلوكيات الاحتلال
أما الاحتلال فيشكّل المصيبة الثالثة التي تقع على بطل الرواية، وهي الأقسى بطبيعة الحال، ويأتي وقوعها عليه، على شكل اعتقال وتحقيق واستجواب ومراقبة وترهيب ومطاردة وسواها من الممارسات المأثورة عن الاحتلال. غير أن انتهاء الرواية بمشهد ذوبان جنود الاحتلال في ثنايا الليل "مثل عصابة من لصوص أو مثل قطّاع طرق نهّابين"، وقيام العجوز محمّد وقريبه رهوان باستقبال شمس ذلك النهار والضحك باستمتاع "مثل طفلين خارجين لتوّهما من متاهات العتمة إلى فضاء النور ..."، ووقوف أسمهان، على مقربة منهما، تفتح الرواية على تصالح العجوز مع شيخوخته، وخروجه من مصائبه، وتصدّر عن منظور روائي إيجابي، يجدّد الإيمان بالمستقبل، ويشي بقدرة الشعب الفلسطيني على التحرّر من محتلّي أرضه، ولو بعد حين.

هكذا، يطرح شقير في روايته سؤال الشيخوخة في فلسطين، وتموضعها بين سندان المبتزّين العائثين فيها فساداً، ومطرقة الاحتلال المتربّص بها الدوائر. وهو يفعل ذلك، بوضع الرواية في خمسة أقسام، يصدّر كلاًّ منها بمقتبس من رواية عالمية أو كتاب تراثي، يشكّل عتبة نصية تتصادى مع المتن الروائي المختص. 

وتشتمل الأقسام الخمسة على ثلاث وستين وحدة سردية قصيرة، مصوغة بلغة سردية رشيقة، وموشّحة بمقتبسات تراثية، نثرية وشعرية، تضيف الفائدة الى المتعة، ولكلّ وحدة منها عنوانها الخاص بها، ما يوفر مروحة متنوّعة من العناوين، ينتقل بينها الراوي بسهولة ويسر، ويضفي على الرواية الرشاقة والحيوية والتنوّع النصّي. 

ويأتي إسناد الكاتب مهمّة الروي إلى بطله العجوز ليشي باحترامه الشيخوخة، من جهة، ويجعل النص مجموعة ذكريات تحدث داخل منزل العجوز وخارجه، من جهة ثانية. وبذلك، يستحق "منزل الذكريات" زيارة مطوّلة من القارئ، لن يندم عليها أبداً.