"ابنته الروحية" تفتح صفحات مطوية عنها: ميخائيل نعيمه ... السنوات العشرون الأخيرة من حياته

ثقافة 04-11-2024 | 18:26
"ابنته الروحية" تفتح صفحات مطوية عنها: ميخائيل نعيمه ... السنوات العشرون الأخيرة من حياته
ولد الكاتب والأديب اللبناني ميخائيل نعيمه في بلدة "بسكتنا" الواقعة على سفح جبل صنين، سنة 1889، وتوفي في بلدة "الزلقا" الساحلية سنة 1988. تلقى دروسه الابتدائية في المدرسة الروسية في "بسكنتا"، ثم سافر إلى فلسطين، وهو في الثالثة عشرة من العمر، للدراسة في "دار المعلمين الروسية" في الناصرة، وهناك أظهر تفوقا، أهلّه للسفر إلى روسيا القيصرية، زمن القيصر نقولا الثاني، للدراسة في مدينة پولتافا الأوكرانية، على نفقة "الجمعية الإمبراطورية الروسية الفلسطينية".
"ابنته الروحية" تفتح صفحات مطوية عنها: ميخائيل نعيمه ... السنوات العشرون الأخيرة من حياته
ميخائيل نعيمة.
Smaller Bigger

بين التاسعة والتسعين سنة التي عاشها نعيمه، وتاريخ سيرته الذاتية "سبعون"، فترة زمنية طويلة (29 سنة) لم يؤرخها نعيمه كما فعل في "سبعون"، ولا أرخها أحد من بعده، وبقيت مطوية مجهولة. من هذه الفترة، تسع سنوات أمضاها في "بسكنتا"، وأما العشرون الباقيات فأمضاها على الساحل؛ ثلاث منها في بلدة "الجْدَيْدة"، والفترة الباقية (17 سنة) في شقة في "الزلقا" برعاية مي نعيمه، ابنة أخيه نجيب، ومعهما ابنتها الصغيرة سُهى. وإذا كان هناك في العالم اليوم، من يُمكن الركون إليه، لمعرفة كيف كانت يوميات نعيمة في السنوات العشرين الأخيرة من حياته، فهو "ابنته الروحية" سُهى، وكنيتها في  شهادة الميلاد "حداد"، لكنها تُوُثر أن تنتسب إلى عائلة أمها من آل نعيمه، وتدعى سُهى نعيمه، وإذا كان هناك من يستحق أن يكون "نعيمياً" قبل غيره، لا برابطة الدم وحدها، بل بالجهد الذي ما بعده جهد، فهو هذه الشابة، التي لفرط حبها لميخائيل نعيمه، أو "جِدّو مخايل"، كما يحلو لها أن تدعوه، حولت شقتها في بلدة "المطيلب" بمنطقة المتن الشمالي، إلى متحف مفتوح، يضم مقتنيات نعيمه، وأوراقه وكتبه ورسائله، وما ترك من أثاث وأغراض خاصة وعاديات، تحافظ عليها و تهتم بها اهتمامها بروحها، مهمة تتطلب جهود مجموعة من البشر، لكن سُهى تقوم بها بمفردها، دون مِنّة من أحد، أو مساعدة من وزارة الثقافة اللبنانية، أو رعاية معنوية من حكومة لبنانية، كان يتعين عليها أن تقوم بهذه الجهود، حفاظاً على تراث كاتب لبناني عظيم، يندر أن يجود الشرق العربي بمثله، لكن سُهى تعرف، وكلنا يعرف أن "جمهورية الجحود" هذه، التي اسمها لبنان، لا تعبأ بمثل هذه الأمور، ولا تعتبرها من الأولويات، همها أن تحافظ على تراث السياسيين، وألقابهم، وألقاب من يخلفهم على الكراسي من أبناء وأحفاد!

يدفعني الفضول، ويدفع كل من قرأ نعيمه، وأحب أدبه وفكره وفلسفته، إلى أن يعرف كيف كانت حياة هذا الأديب بعد السبعين. أتواصل مع سهى نعيمه، الأستاذة في جامعة "هايكازيان" في بيروت بالهاتف والبريد، وأطلب إليها أن تحدثني عن "جدها مخايل"، هي التي لازمته طفلة وصبية، وابدأ بسؤال عن الموسيقى التي كان يحب، فتجيب" "كان نعيمه يحبّ الموسيقى الكلاسيكيّة الغربيّة، والفنانين الكلاسيكيين اللبنانيين، منهم "الأخوين رحباني" وفيروز وصباح، ووديع الصافي ونصري شمس الدين، ومن الكلاسيكيين العرب، كان يحب عبد الوهاب وأم كلثوم، لكنه في الغالب، كان يترك أذنيه للصمت، ويعتبر الصمت أجمل موسيقى". أسالها مجدداَ:هل ندم لأنه لم يتزوج؟تجيب:" لم يظهر عليه شيء من ندم، وهو القائل عن الزواج في كتابه "مذكّرات الأرقش" إنه "مقبرة الحبّ". كان نعيمه يجلّ القلم، ويجِلّ الكلمة "الوليمة" وفق تعبيره، وكان لديه يقين، بأنّ المرأة والقلم لا ينسجمان، لأن كل واحد منهما سوف يستهلك الآخر". 

كانت لنعيمه نظرة خاصة في الوجود والعدم، وكان يؤمن بأن الموت ولادة أخرى، وأنه والحياة توأمان، حسبما جاء من كلام "المسيح": "الحق الحق أقول لكم، إن حبة الحنطة التي تقع على الأرض، إن لم تمت، بقيت لوحدها وإن ماتت أتت بثمر كثير". يدفعني الفضول أيضاً لمعرفة كيف كانت حياة نعيمه مع "تبي الجليل"، هو الذي وضع عنه كتاباً عنوانه "من وحي المسيح"، وما إذا كان يتردد إلى الكنيسة، وبأي منظور كان يرى "الله". أسال سهى فتجيب: "حين عاد نعيمه من الولايات المتحدة، بدأ يساعد "خوري الضيعة" في خدمة القدّاس، لما كانت هذه المراسم نثير في نفسه من ذكريات الطفولة الطيّبة، لكنّ سرعان ما لمس في طقوس القدّاس، كما في طقوس العبادات الأُخرى، طغيان العادات والتقاليد على الإيمان الواعي، فتخلى عن ذلك التقليد. أما المسيح فلم يكن إيمانه به تقليدياً، وكان عشقه وإيمانه على طريقته التي لا تنصاع إلى تعاليم الكنيسة. آمن نعيمه بأنّ الإنسان هو ابن الله، كما المسيح الذي استطاع أن يتغلبَ على العالم، بتغلّبه على ما في ذاته الصغرى من شهوات، وهذا التغلّب مصدره الألوهية الكاملة الكامنة فيه، كما هي (هذه الألوهة) كامنة في كلّ إنسان، يعيَها ويختبرها عبر دورات متعددة من الموت والولادة، لتنقية ذاته من شوائبها، وأوهامها الحسّيّة، وصولاً إلى الذات الإلهيّة العليا. اما الله فكان عنده خالق الكلّ، المُحرّك الكلّ الذي لا يتغيّر ولا يتحوّل، ومنه كلّ شيء وإليه كلّ شيء. كان يؤمن بأن الإنسان، من الأزل وإلى الأبد، يأتي من مصدر واحد هو الله، الذي منه كلّ وجود وإليه كلّ وجود، وما اختلاف الأديان في نظره، إلّا اختلاف أوجه لعبادة الله، وما دام طريق هذه الديانة أو تلك هي الوصول إلى الله، ففي الديانات كلها خير وبركة، وفي كتابه "مذكّرات الأرقش" يقول: "لو أن البشر عرفوا الله لما قسّموه إلى عبراني ومسيحي ومسلم وبوذي ووثني، وقاسوه ما لا يُقاس بمقاييس بشريّة أرضيّة".