.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ذات يوم من شهر تموز ١٩٤١، كان جوزف ستالين في مكتبه في الكرملين حين دخل عليه فجأة لافرنتي بيريا وفياتشيسلاف مولوتوف، أبرز شخصيتين في أركانه يومذاك، وقد بقي اسمهما في التاريخ الستاليني - السوفياتي. عندما شاهدهما يدخلان وكان وحده، امتقع وجهه للوهلة الأولى، ظناً منه أنهما قادمان ليغتالاه أو ليقبضا عليه، علما أنهما كانا من الأدوات الرئيسية لحكمه الطاغي. ولكن ما إن أدرك أنهما قادمان ليأخذا منه التعليمات اللازمة حتى عادت ملامحه إلى طبيعتها.
يومذاك، خاف ستالين وهو الذي أخاف العالم كلّه، ويُنسب إليه أنه قضى أثناء حكمه على أحد عشر مليون نسمة. إذ عندما يوصف حاكمٌ طاغٍ يُقال عنه إنه ستاليني. التاريخ لم يعرف حكماً بدموية جوزف ستالين، ولهذا السبب وغيره أعطى انطباعاً شديد السلبية عن كل حكمٍ شيوعي العقيدة، وطال هذا الانطباع كل منظري الماركسية - اللينينية.
في الشرق العربي لم يصل الطغاة إلى هذا الرقم الشديد الفظاعة. بل كان الطغيان على قياسهم في عراق صدام حسين، وليبيا معمر القذافي، على سبيل المثال... وسوريا آل الأسد.
هكذا علّمنا التاريخ أن كل مستبد هو بالدرجة الأولى خائف. كل نظام ديكتاتوري هو نظام خائف، ولذلك تزدهر المخابرات التي لا مكان لها في أنظمة الحرية والديموقراطية.
حافظ الأسد ووارثه كانا من الخائفين بالدرجة الأولى. وإلا لماذا تركا هذا العدد الهائل من الجثث والضائعين وراءهما؟ في سبيل أي قضية؟ في سبيل عقيدة البعث، في سبيل قضية فلسطين، في سبيل العروبة، أم في سبيل مواجهة إسرائيل؟
كان الاحتفاظ بالسلطة هاجس الأب أولاً الذي وصل إلى قمة الحكم وهو ينتمي إلى أقلية طائفية. وهو ما لم يحصل من قبل طوال تاريخ سوريا الحديث.
حصل التوريث بالطبع، وهكذا امتد حكم آل الأسد إلى أربعة وخمسين عاماً. نصف قرن. هذا رقمٌ قياسي لم يصل إليه أي من أصحاب احتكار السلطة ماضياً وحاضراً.
مع هذا النظام المتهاوي، سال الدم أكثر من الحبر. وليست الغاية من وراء هذه الكلمات إضافة أوصاف أخرى لهذا النظام. فلقد قيل الكثير وسيُقال الكثير. بل إنها محاولة التطلع إلى واقعنا اللبناني الجديد، لأن في لبنان واقعاً جديداً بكل معنى الكلمة. إذ إن العالم كلّه اتخذ في السنوات الأخيرة موقفاً شديد الوضوح والقساوة مما صار يُعرف بالطبقة السياسية اللبنانية.
عنصران أساسيان من العناصر التي كان يُنسب إليها تكوّن تلك الطبقة بكل أوصافها المعيبة حتّمت عليهما تطورات التاريخ - وصِفَة التاريخ هنا ليس مبالغاً فيها - قد زالا، وهما انكفاء "حزب الله" بما كان يملك من قوة جعلته يوصف طويلاً بأنه دولة ضمن الدولة، وهذا توصيفٌ صحيح، والثاني هو الزوال النهائي الذي ربضَ على صدورنا منذ عام ١٩٧٥ وحتى البارحة، وهو نظام آل الأسد.
بقيَ للبنانيين أنفسهم. وهذا كافٍ إذا كان ممثلوهم في الدولة قادرين على سلخ أنفسهم عن موروثات هذا الماضي الثقيل وإفساح المجال أمام وجوه الكفاءة والاستقامة وليس الولاء لأصحاب القوى والقيادات.
لقد حصل ذلك في الماضي القريب. وهو ليس بالأمر العسير إذا كان الحكم المنتظر قادراً أن يتحرر من عبء توازنات الحصص، والرجوع إلى قاعدة مجلس الوزراء، أي السلطة الإجرائية، وليس العودة إلى مجلس مندوبي القيادات.
هنالك مثلان بارزان في هذا المجال هما الياس سركيس والدكتور إميل بيطار. لعل قصة الياس سركيس معروفة في شكل واسع، ولماذا وقع اختيار فؤاد شهاب عليه. وقصة الدكتور إميل بيطار أنه استُدعي إلى القصر الجمهوري أثناء تأليف الحكومة الأولى للرئيس صائب سلام في مطلع عهد الرئيس سليمان فرنجية في أيلول ١٩٧٠، فظن أنه قادمٌ لاستشارةٍ طبية، إلى أن فهم من الرئيس فرنجية أنه سيعينه وزيراً للصحة في حكومة سُميت يومها "حكومة المجهولين".
حصل مثل ذلك في بداية عهد الياس سركيس ثم في بداية عهد أمين الجميل، أي المجيء بوجوهٍ جديدة.
هل أصبح ذلك متعذراً اليوم؟ إنه كان متعذراً البارحة. ولكن اليوم، بعد الحدثين اللبناني والسوري، ما الذي يحول دون أن يصدر الرئيس العتيد ورئيس الحكومة الجديدة مراسيم التأليف عبر وجوهٍ جديدة تراعي، إلى التوازنات السياسية، الكفاءة والاستقامة؟ هذا ليس بكثير. وهل هنالك من طريقة أخرى للإصلاح، بدل طرح المستحيلات مثل الفيديرالية والتقسيم وإعادة النظر فيي الدستور والمثالثة وما إليها؟ لكن كل هذا انقضى وقته. ولم يبقَ سوى الأساس، الأساس الذي قام عليه لبنان، أي أن يأتي إلى مقاعد الحكم فيه أناسٌ يشبهونه، يشبهون ريادته في الشرق والعالم.