الاستشارات النيابيّة غير المُلزمة

منبر 29-01-2025 | 03:59
الاستشارات النيابيّة غير المُلزمة
لماذا تطالب الكتل النيابية بوزير أو أكثر في التركيبة الحكومية الجديدة، ونوابها يمتنعون عن تسمية الرئيس المكلف في الاستشارات النيابية الملزمة؟
الاستشارات النيابيّة غير المُلزمة
الميثاقية اللبنانية التي يتكلمون عنها هي لبنان بجناحيه المسلم والمسيحي
Smaller Bigger

ماهر ابراهيم قمبرجي

مثل كل اللبنانيين نراقب تحركات رئيس الحكومة المكلف بالنسبة لتأليف الحكومة العتيدة. هذه العملية أصبحت مضحكة مبكية ووجع رأس للرئيس المكلف أياً كان اسمه. فالتجارب السابقة وبخاصة منذ أن قرر "حزب الله" الدخول إلى الحكومات في عهد الرئيس الحريري وأصبحت هذه العملية عملية مد وجزر وفي بعض الأحيان مهمة مستحيلة خاصة عندما دخل على الخط التيار العوني والصهر العزيز.

‏لنرجع قليلاً إلى التاريخ، ففي عهد ما قبل الطائف كانت الاستشارات النيابية مع رئيس الجمهورية شبه شكلية إذ إن الدستور أعطى حرية تسمية رئيس الحكومة إلى رئيس الجمهورية آنذاك، أما بعد الطائف فحددت الاستشارات النيابية مع رئيس الجمهورية لتسمية رئيس الوزراء الاستشارات الملزمة أي أن رئيس الجمهورية ملزم بتسميته الشخص الذي يحصل على أكبر عدد من تسمية النواب ولم يحدد الطائف الثلثين أو النصف زائداً واحد‬ًاً أو أيّاً من ذلك. بينما حدد الطائف الاستشارات النيابية الذي يجريها رئيس الحكومة المكلف مع الكتل النيابية بالاستشارات النيابية غير الملزمة تحديداً، أي ليس مطلوباً من الرئيس المكلف أن يتحمل أي التزامات قانونية أو رسمية أو معنوية فهو يستأنس بآراء الكتل ويعمل ما يملي عليه ضميره وتجربته.

‏من هنا يبدأ الموضوع فكل هذه العملية تختصر بهذه الكلمة، فلو أراد المشرع أن تكون هذه الاستشارات ملزمة لكان حدد ذلك مثلما حدد بالنسبة للاستشارات لتسمية رئيس الحكومة مع رئيس الجمهورية.

بالمبدأ نفسه أتساءل لماذا تطالب الكتل النيابية بوزير أو أكثر في التركيبة الحكومية الجديدة وهم يمتنعون عن تسمية الرئيس المكلف في الاستشارات النيابية الملزمة. بأي حق لا يسمون الرئيس ومع ذلك يطلبون التوزير؟ هذا تناقض مع المنطق فإما أنت مع أو ضد. هذا التناقض في التعامل والرؤية هو ما أثر في إنتاجية مجالس الوزراء المتعاقبة فمجلس الوزراء هو بمثابة مجلس إدارة شركة. وعادة الفريق المسؤول عن إدارة الشركة يجب أن يكون فريقاً متجانساً ذا خبرة وصدقية ومؤهلات ليتمكن الفريق بأكمله من تحقيق أهداف الشركة والمستثمرين، وهذا ما يجب أن يكون عليه مجلس الوزراء مع رئيس الوزراء والوزراء المحتملين. يجب أن يكونوا فريق عمل متجانساً بتناغم كامل ووحدة الرؤية والأهداف لتحقيق نتائج للوطن والمواطنين. أما أن يكون البعض شركاء مضاربين على الوزارة فهذا غير مقبول مثلما كان يحدث في الحكومات الماضية من تعطيل ومناكفات لتلبية المصالح الحزبية والشخصية على حساب مصالح اللبنانيين والوطن.

‏عندما يتصرف البعض بهذه الطريقة لا أرى لماذا لا يحق للرئيس المكلف عندها أن يتصرف بحرية وبحل من جميع المكونات، ويعمل على تأليف حكومة تعكس تطلعاته وتطلعات رئيس الجمهورية وخطاب القسم تحت سقف الدستور والطائف الذي يحدد أنها استشارات غير ملزمة.

‏يقول البعض إن الرئيس المكلف ملزم لتلبية طلبات الكتل وإلا لن يحصل على الثقة. قد يكون هذا صحيحاً ولكن على الأقل نكون قد طبقنا الدستور بحذافيره وليتحمل الجميع مسؤولياتهم. عندما يكلف الرئيس بخمسة وثمانين صوتاً هؤلاء مبدئياً أعطوه ثقة بكفاءته وتطلعاته ومبادئه فكيف يلتفون عليه بعدم إعطائه الثقة عند التأليف؟ عندها ليتحمل الكل مسؤولياتهم تجاه اللبنانيين والوطن ولتظهر الحقيقة إلى العلن وتنفضح هذه المسرحيات التي نعيشها منذ زمن.

‏الوقت اليوم ليس لمصلحة اللبنانيين والمصيبة كبيرة جداً على الجميع، وهي لا تفرّق بين مسلم ومسيحي وأهلنا في الجنوب يفترشون العراء بعد هذه الحرب المدمرة، فالمطالب كثيرة واليد قصيرة. آن الأوان لكي يلتف اللبنانيون حول رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة المكلف ويتكاتف الجميع وأن ينهضوا بلبنان كما عمل أجدادنا من قبل وأن يستفيدوا من مساندة الدول الصديقة والشقيقة لإعادة إعمار ومساعدة لبنان.

الميثاقية اللبنانية التي يتكلمون عنها بين الحين والآخر هي لبنان بجناحيه المسلم والمسيحي وكل أطيافه اللبنانية، وليس بالميثاقية المبتدعة من المنظومة الحاكمة ألا وهي ميثاقية الأحزاب والتيارات التي يدعونها ساعة يشاؤون. الميثاقية التي نص عليها الدستور والطائف هي المحافظة على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين وليس المناصفة بين تيار المستقبل والثنائي الشيعي والحزب التقدمي الاشتراكي و"التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" والمردة. كفى استهتاراً بالدستور وعقول اللبنانيين وحبّذا لو يتواضع هؤلاء ويكفّوا شرهم عن صدور اللبنانيين الذين ضاقوا ذرعاً بهم جميعاً وبأفعالهم المشينة وصفقاتهم الفاسدة التي أدت إلى خراب الوطن وإفلاسه.